فهرس الكتاب
تراني لم أعد أطيق اصطبارًا للعودة إليه. وقبل أن يحل بي نزق طارئ دسستُ جسمي في ثيابي المألوفة ورحت أدرج في سروتي. شعرت بلسع برد الغداة يسوطني. كانت قد تكومت تلال الشفق، على أواخر الليل الذي جلل الكون بسواده.
مضى وقت لم أحسبه.
حين عبرت بوابة القصر، ودخلت عليه، ابتسم.
لم أدهش من ارتداء بذلته الرسمية، اليوم غير الجمعة. خطأ أمامي في بهو القصر. وتأرجحت قامته المكللة برأس حاسر ذي شعر مخلوط بالأسود والأبيض ترك دون ترجيل.
لم أجئه على عجل هذه هي عادته.
فراشه ما زال مطروحًا في مكانه. إنه يفضل نوم الأرض على نوم السرير.
درجت وراءه، كتابع. نفخ متأففًا. كأنه يعاني معضلة صعبة. بل تكلم: (( خيبات... هزائم... ذاتية وجماعية... ) )
حين جلسنا رأيت شخصه الحاني دققت النظر كأني أتعرف إليه من جديد. بان لي وقورًا مهيب الطلعة، نحيل اليدين. كفاه مملؤتان بالعروق.
ظل الصمت يشاركنا الجلسة فترة من وقتنا. ركز نظره أمامه، بعد أن أسند صدغه بأصابع يده اليمنى. أخذ يشده كأنه يحاول عصره ليفرز أفكارًا أكثر.
بلى! تراه لو يستطيع أن يتحول إلى كم هائل من المشاعر والأحاسيس لفعل كم نبش رأسه لاستنباط الحلول لقضايا العالم ومجتمعه؟
لم يفصح بعد عمَّا تسرب إلى قلبه من أفكار وما هي الرؤى السديدة التي تراءت له في عالمه الداخلي...؟
ولكن، يبقى عنده العالم الخارجي هو الأصعب جهادًا كما يبدو.
على كل، استعذبت فترة الانتظار هذه. وظللت أتحدث مع روحي. عاد وانتبه: (( أراني لا أجد، لدي، فراغًا، الوقت ضيق كخرم الإبرة ) ).
تنهد وتابع: ليتني أجد فسحة من الزمن أطول. تظلمننا الشمس بما تصنعه من أيام وشهور (فوق هذه الأرض) .
ثمَّ أوضح خطورة (( حضارة آخر زمان ـ حضارة الأحذية الملمعة ـ و... ) )
أف...نفخ
ثورة من الأفكار نشبت لديه. ما شاء الله لكم ينصهر بقضاياه
أجدني للآن لم أنطق في حضوره شيئًا. بل استخدمت عيني بنظرات جانبية، حوله وعلى وجهه وهيئته...
ـ (( قل ) )/ حثثت نفسي.
واستحسنت فكرة:
ـ (( مشاغلك الكثيرة تجعل حياتك أعجوبة ) )
بشّ وجهه بي نوعًا ما: (( ومع هذا أعيش في عزلة. أعيشها وأنا في الشارع والمحافل الاجتماعية كما لو كنت في وحدتي بغرفة الجمجمة. ) ).