فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 1574

وسرد علي كيف عادت وفسخت عقد الزواج معه بناء على رغبة فردية تلبستها (( كشيطان رجيم ) )ـ على حد تعبيره ـ وأوضح أن أهم الأسباب كانت تتمثل في عدم قدرتها على المجاراة في حياة زوجية نسكية. وحين عاد بي إلى غرفة الجمجمة الحميمة. (( تقت لأشغل بتأميلي وتماريني وطقوس عبادتي... ) ).

تركته ورحت أتخيل ما سيضفي عليه، من صفاء وتماهٍ، بقدر ما في القلب من زخم شوق وحدّة وجد. وما في عقله من قوة نور...

كل هذه القوى الخلاقة. وما ستضيفه إليها من نشاط حيوي تمارين (اليوغا) ستنقله إلى عالمه المنشود. حيث هناك تضؤل (( الأنا ) )الفردية. وينتهي تمرد عالم التراب في كيانه ويصبح كالأولياء الصالحين.

وها هو ذا يلتفت حولي ويقول: مذهلٌ العالم الآخر، العالم الأبدي للإنسان (العقل، الروح) ...!/

ثمَّ سكت وأغمض عينيه. غام. هل يهيئ نفسه للمشاهدة (( العشقية ) )التي يروم؟

طال وقت إغماضه.

خفت.

ناديته: سعيد... سعيد....

شق جفونه: (( آه لو تركتني، كدت أشاهد الحبيب... ) )

حالة لغوية في قاموس مصطلحاته فاجأتني. نعم ذكر (( كلمة الحبيب ) )! ماذا يقصد ماذا يعني؟ أسمعها منه أول مرة اليوم. هل فشا بها إليّ؟ أو أن منزلتي قد ارتفعت عنده وصرت استحق تعابيره الخاصة؟ طبعًا ثمَّة ألفاظ ومقولات ومصطلحات سريعة العطب. لا تنال إلا بقدر من المجاهدة. ووفق رتب زهدية معينة.

استرخى قليلًا، وأخذ نفسًا على مهل، كمن يرشف قطر السماء ثمَّ نطق: (( كنت كالمأخوذ ألتقط الجواهر والدرر. ويغمرني ريحان (( الحضرة ) )في اللحظة الكمال.../ وسكت.

ثمَّ نطق: (( نعم...نعم ) )

ونهض كالولهان يقبّل الهواء ذات اليمين وذات الشمال.

حين جلس ظلّ زائغ العينين وحين أثبتهما عليّ، كرر:

ـ (( مخاليق مخاليق نورانية.. أشباح .... أرواح مجردة.... ) )

وبقي يتمتم كلمات ومفردات مبهمة وغامضة لا تفك طلاسمها. ولا أدري كيف جفلت لما عاد وغفّ علي، كنسر حط من عل، يقبلني ويعانقني، وهو بحالة جذل فائق، كأن لا تسعه أرض في ذينك الإرتقاء الروحي، والسلام الداخلي، اللذين ينعم بهما. غير أنني افتكرت بهذه المصافحة: هي يودعني؟..

وقي الحقيقة. تعبت في هذه الجلسة. وكلت كل الحواس لدي. فأجدني صرت أجاهد عيني في مقاومة رغبة النوم... بل رنّقت جفوني عدة مرات أمامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت