فهرس الكتاب
(( طردت كآبق صحراوي.. متمرد.. لذا تراني أكتب رسالتي ) ).
قلت: أتكتبها بالـ؟
قاطعني: (( نعم بالرمل فالرمل صعيد طهور ) ).
ثم مشى تحت أضواء الزرقة الحانية فوق البادية. وجدته، يعلق جرابًا بكتفه مصنوعًا من جلد شاة، فيه شيء من كسر الخبز (الحافي) .
- (( هذا مأكولنا فكيف مأكولهم ) )؟
ثم بعد عني. رأيته يضيء كدلال من السماء يمور على أديم الصحراء. وقد أشرقت تلاوين هالته، وهو يتهادى نحو الأفق الرامح. ثم غاب عن ناظري..
يا.. سعيد.
التقطتْ أذناني: (( سيقابلك عني رجل ينسب إلى ذوي المتربة رفض شهوات الدنيا والملك ونادى بالجهاد، هو جعد بن درهم.. ) ). وسكت الصوت.
أطلقت صرخةً بالهواء: (( من أنت يا جعد بن درهم ) )....؟
عاد الصوت نفسه: (( مجاهدون رفضوا دعوته. ونددوا به: لأنه كان صعلوكًا أفقر خلق الله.. ) ).
لم ترمش عيناي لفترة، وأنا محدق في كل الاتجاهات بحثًا عن الصوت والصورة في كنف الصحراء العاتمة.
تبعته وأنا مغمض عيني.
- (( أرجوك ) ).
- (( أأنت خائف ) )؟ /سمعت دون أن أرى إلا الظلام.
- (( ما زلت في بدء طريقي ) ).
- (( نَمْ ستشرق الشمس ) ).
هكذا وجدتني في مغارة السفح، بحضوره المؤنس يرتدي جبة الصوف ذاتها التي استبدلها من راعبه.
رحب بي ومسح على رأسي. (( لا تخف سأتابع حديثي عن النمرة ) ).
ولكن ما إن عادت النمرة إلى زيارته، حتى شعرت بالخوف. فلم أقوَ، مثله على الدنو منها، أو الاقتراب لبضع خطوات. ناهيك عن ملامستها كما فعل. وحملتني هيئة مرعبة، وأنا أتلقى من فرائصي إيعازًا: (( للوراء دُرْ ) ).
نعم هذه نمرة ضارية لا كلبة أليفة، كما أدخل في ذهني. بل هي أفتك حيوان عرف. ولما صرخت حين رجعت نحوي تيبست أفكاري في صدري. وجفت عروق جسمي. شجعني الشيخ سعيد، وقال: (( لا تخف. سآمرها لأن تخضع لإشارات سلمية تجاهك ) ).
وهكذا كان. خضعت لإيماءة مني. وأول مرة في حياتي الأرضية -على حد تعبيره -أمد يدي على نمرة وألمس بها شعر جلدها. لا أدري إن كان ناعمًا أو خشنًا. دارت حولي. خرجت حشرجة مني هي للموت أقرب. دارت مرة ثانية كأنها تروضني لعقد ألفة معها، ثم عادت إلى جرائها.
نهض ومشى في الخارج. كان قصير الخطو. ثم وقف وعاد إلى المغارة. حنّ إلى طقوسه فيها وصار كمن يفيض لعابه لطعام شهي. حرّك شفتيه وجدًا وتواجدًا. جاريته بالاشعور وصرت أتلمظ في حلقي كالذي يتذوق عصارة شهد.
رفع رأسه نحوي وابتسم: (( يا لطعم العسل ) )!
ابتسمت له كمشاركة بالعدوى.