وانزلق على لساني بدافع الفضول ـ طبعًا: (( لِمَ تتحلل ) )؟
ـ (( تتحلل لتعبر طريقها نحو الخلاص...) . لهج وتابع، كأنني حرضته ليلقى درسًا:
ـ (( وخلاص الإنسان لم يتم إلا بتحلّل الأنا. وعرفانها بنهايتها وأشار إلى الجمجمة الصامتة أمامنا ـ كم تكلم هذا الفم، ثم سكت واندثر... ) ).
واستمر يعمّق بلاغته وحجة بيانه كمعلم يعري مساوئ عدوته اللدودة الـ (أنا)
(( هذه جرح نازف في ضمير البشرية ) ). ثم ركز بالمقابل على العالم ككل واحد تندمج فيه كل الأنوات لتشكل أنا كبيرة، جامعة في كيان كلي كامل متكامل (( تمامًا كالخلايا والجسد وصغائر الدقائق في الجسيمات الذرية ) ).
ـ (( يعني.... ) ).
أكمل عني ـ (( لا فردانية في هذا الوجود، إلا للواحد الأحد المعبود ) ). ثم ازدادت حمى حماسته فأوضح فناء كل (الفردانيات) من أنا وأنت وهو. كل (الجمعانيات) من نحن، وأنتم وهم، في الذات المقدسة الباقية سرمدًا وأبدًا.
أخذ نفسًا وتابع: (( إذن عالمنا الأول هنا محكوم بالفناء بفعل التضادّ، بينما العالم الآخر، هناك محكوم بالبقاء بفعل التجانس والانسجام فالخلود بالتجانس. والفناء بصراع الأضداد ) ). تابعت اختلاس النظر وأنا شبه موزّع في شتات الأفكار الهاربة الشاردة التي لا أقوى على اللحاق بها.
غزارة ثقافة!
غزارة عبارة!
غزارة.... غزارة....! انكمشت إزاءه كالاشيء.
أين أنت، يا (( أنا ) )، أيها المكتوب في السجلات إنسانًا.
ومخايل أخرى فرزها لي ضعفي. تلوت صلاة في داخلي حتى أجسر على تجاوز لحظات خيبتي الصعبة. ورفعت يدي واتكلت على الله.
حتمًا اطلع ضمنًا على ضائقتي إذ بادرني بمزاج لطيف: (( عليك أن تتلاشى فيك، عدمية الأفكار المقرونة بالشك واليأس. لتمتد بروحك ونفسك الناطقة، إلى العالم الموجود المنشود، الذي لا ينتهي فيه نعيم البهاء والضياء والصفاء و... المنور بنور الله الذي لا يفوقه نعيم ولا يسمو عليه سماك ) ).
ثم اقترب مني وكاد يقبلني من شدة سروره.
فرحت له بهذه الحالة من البهجة التي حلت عليه. ثم نطقت: (( النعيم يكون للإنسان بشقيه الرجل والمرأة ) ).
ـ (( نعم حصل خير ) ). صدّق على كلامي
بعد أن تراخص لي، كرّرت: (( ما المرأة كمفهوم ) ).
ـ (( مفهومها السمو والخير والحق والجمال. الله خص مخلوقته هذه بالنعومة والرقة والميزات السامية من العاطفة والرحمانية. والرهافة الإنسانية... ) ).
ـ (( ولكن هذه الصفات كلها صفات منفعلة وليست فاعلة ) ).