الرأس مكشوف. الشعر كثيف. العقدة ما زالت مدلات تحت ياقة القميص. ملامحه الصارمة تحكمت في أعصابي. لذت عنه، وشربت كأس الزوفى... ثم تلجلجت لأقول شيئًا. أدرك الصعوبة التي أمر بها فخفف عني:
ـ (( أهلًا.... أسعد... ) )
ـ (( شكرًا يا.... أسعد ) )وعادت إليّ حيويتي نوعًا ما.
ـ (( إن اختلفت أشكال الأقمصة والأمكنة والرسوم. فلا عبرة إلا للجوهر. الجوهر هو آدم المعنى. كنت ذكرت لك ذلك ) ). ثم أخذ يشرح قضايا هذا (( النسق ) )من النوع الفكري والمسلك الزهدي.
أراه يتكلم فيزداد تجددًا بنظري بتجلياته. ليبقى كما هو. أو كما يريد أن يكون هو. ممتلكًا طاقة هائلة لتوليد الأفكار وخلق المعاني من معينه الذي لا ينضب.
طبعًا لا يمكن أن تعزى هذه الحالة الفكرية إلا لمن يمتلك ناصية الحرية...
ـ (( من يمتلك حريته يمتلك الفكر النيّر، والقدرة على توليد الأفكار وتحديدها ) ). استشفّ ما أدرته في داخلي. تابع:
ـ (( على الإنسان أولًا أن يطلق حريته من سجنه الشخصي ـ أي الذاتي ـ ثم من الأسوار الخارجية التي تلتف حوله...
ـ (( بذلك يحل صفاء الذهن ويحلق كطائر، في أمداء لا حدود لها منداحًا في سماء نفسه ورحاب روحه.
وراح أزيز دفق بيانه يغرّد حولي. وكأن طوفانًا من العواطف والأحاسيس شحنه فانفعل.
على الرغم من أوجاعي وأسقامي، في الروح والفكر والجسم.
وما أعانيه في جلسات الصمت و (( الاستماع ) )و...
وجدتني لا أقوى على فراقه كأنني ابتليت بحالة تعلق الضعيف بالقوي والفقير بالغني و...
إذن علي أن أعود إلى من اصطفيته لي خدينًا مبهورًا برفقته وحرفته معًا.
وماذا بقي لي....؟
وجدته قد انتحى غرفة الجمجمة. جالسًا على بساطه المعروف جلسة التربيعة المعتادة. وقد أسند كوعه الأيسر بركبته ليهدّئ جبهته بأصابع يده. ويتخذ وضعية (( السابح في ملكوت الله ) ). ارتميت بجسدي على الأريكة، قبالته. بقايا خوف نشبيث بعقلي. فأجأني: (( ما الحيلة ) )؟ ثم:
ـ (( أراني عجزت... عجزت.... يا عمي. وصرت أطلب من سيدي الخلاص. أعفى من الخدمة في هذا العالم الفاني... ) ).
وتابع يسرد علي بأسلوبه الخاص. كيف تصنع الأيام الأحداث بدهاء عجيب وكيف تناصر القادة والمتنفذين لسحق الشعوب على سطح الكرة الأرضية. وأوضح ما يجري من مذابح وويلات في جسد البشرية، هذه (( المستحاثة ) )المستضعفة والمستتبة بضعفها. (( وهنا تكمن الطامة الكبرى والمصيبة العظمى... يا عمي ) ).