هأنذا أترنح كمن يبهظه حمل ثقيل، فوق رمال (( الربدة ) ).
ـ كيف... تمت (( النقلة ) )؟
ـ /..../
ـ استقبلني بقميصه البدوي ورحب بي في صدر الخيمة.
ـ (( أين(جعد بن درهم) والبقية ))؟
ـ (( في المدن لمقارعة الملوك العائدين إلى وثنية الجاهلية. ومعارضة مستغلي الزكاة وبيت المال والخارجين علي.... ) ).
ثمَّ سمعت (( هم هم المقطورون بأذيال الفانيات... ) )ولا أدري ما غمغم.
ألحت برأسي مؤيدًا، ومؤكدًا (( خطّه ) )علّني أظهر له شيئًا من التزامي به كواحد من السائرين في طريق التحررّ من حبس هذا العالم وبراثنه والزائفة.
قاطع تفكيري (( لا رجعة لك. اطمئن... ) ). ثمَّ نطق كمن يفطن على عجل: (سأبقى أقارعهم مع لفيفي ولن أستكين ولو أبعدوني إلى أكثر من ربدة... ) ) . وسكت.
حقيقة شجاعته غيرت فّيّ ما كنت أنتويه من تقديم مواساة. رجل منفي مبعد في الصحراء وكل مخلوق بشري لديه ضعف. وله سقف في التحمّل.
ـ (( كف عن تفكيرك الاستهلاكي هذا .... ) ).
ـ أف....! إنه لا يلين ولا يستكين. مثابر مكابر. لله دره كم يعمل لاجتثاث البطل ويحرّر الخلق من قفص الأرض!
ـ (( هذا واجب على كل من اتبع الحرفة وإلا تساوى الناس جميعًا...) ؟
واستفاض في حديث واجب ابن الحرفة.
تهدّج صوته في الأخير، وأضحى يطلقه مبحوحًا كصوت قعقاع القادسية، هل بحسب نفسه يزمزم في حلقة (( ذكر ) )من حلقاته المعروفة مع (( مريديه ) )؟
ثمَّ رأيته ينهض. مشى ورفل بقبائه، خارج الخيمة. انفرد بهم. أنا لم أشاهد سواه.
حاولت إلغاء أفكاري، التي تولدت لدي...
عاد بعد برهة (( استشهد(جعد) وغيلان.... ))نطق ونكس رأسه بعد أن جلس. تذكرت ضآلة هذه الدنيا الفانية وأنا موجود في مآتم. كيف الناس في هذه السرعة يحل بهم الخشوع والخضوع.
ـ (( نعم في رهبة الموت يصبح المرء رحمانيًا مثل كوكب هبط توًّا ) ).
أجبت: (( ولكن بعد انفضاض المأتم يرجعون ) ).
وافقني فورًا: (( بعد دفن الجثمان المسجى في لحده ينسون حكمة الموت البالغة في هذه الدنيا ويعودون إليها كأنه هي السرمد ) ).
ـ (( ) ).
وبعد لحظة صمت. تلألأ في ذهني فكرة فجاهرته:
ـ (( أليس في عودتهم إليها حكمة ) )؟
ـ (( حقيقة أنه لمن الصعوبة في مكان أن ينسلخ الإنسان عن حياته التي يحياها دفعة واحدة. ولكن التمسك في الرزق الحلال، والعمل المشروع... ) )
سكت ثمَّ إستأنف بعد أن قرر جواز النظر في (( فكرتي ) ). يا لفرحتي!
ـ (( لتبقى هذه الدنيا كما أريد لها. دار امتحان واختبار لدى الإنسان العاقل ) ).