فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 1574

ثمَّ علت شفتيه ابتسامة مشرقة.

قلت بدافع المجاملة فحسب: (( في النسيان حكمة بالغة من رب العالمين... بعد الموت يرجع الإنسان يجدّ ويكدّ ) ).

ـ (( نعم. نعم. الاجتهاد في العمل واجب لتدوم الحياة في كل الأنواع التي خلقها الباري جلّ وعلا، على ظهر هذه البسيطة. وتعمر الدنيا بالحلال لا بالحرام ) ). / وضحك. بعد أن جفف جبينه بمنديله، وضحكت معه.

يعني هذه الدنيا في حقيقة وجودها تبقى دار (( ممر ) )، لا دار (( مستقر ) ))) .

وإشارة من كفه: (( نوال نعيم(الحياة الآخرة) هو الخالد )).

ـ (( ....إذن الحياة هنا وسيلة. والحياة هناك غاية ) ). واتجهت صوب الزرقة.

اقترب مني وقبلني على جبيني هذه المرة. (( هذا هون الصحيح فالنفس الإنسانية تصعد بهويتها الروحية إذا ما نجحت في الامتحان، حتّى تصل إلى الغاية الأسمى. غاية الغايات جلّ وعلا.... ) )

حين عدت وأنا أعبر جلالي الساحل ومصاطبه، عثرت عليه في باب مغارته. كان فرحًا منشرحًا. يبخّ وجهه نورًا على من حوله، ويبسط ذاته على هذه الطبيعة الخلاقة التي تحفّ بمغارته، كأن أخذت بهائها وجمال خضرتها. من أُنسه وبشره وبركته. تذكرت ماضيه.

وجدتني مسلوب الإرادة إزاءه. فأنا المرشح لحرفة النسك ألف مرة قبله. وهو ابن دوحة إمارة، وملك، وغنىً.

ـ (( عدت إلى جوهر نفسي... ) ). / نطق

مازال هو هو. ثمَّ تكلّم عن وضعي في رفقته. وعرج في حديثه على أحوال الناس في هذه الحياة الدنيا. وكيف يجب أن نعمل لنفوز بالحياة العليا. (( كلنا في هذا العالم الدنياوي نغرق في مستنقع الوحل وترانا نخوّض فيه لننجو منه والقوي في نسكه وسلكه هو الذي يسرّع أكثر في نجاته... ) )ارتحت لحديثه تماما وأراني أنعم له عندما يتوقف:

ـ (( نعم ) ).

ـ (( على الإنسان ألاّ يضعف أمام أية دعوة غريزية ) ).

ـ (( نعم ) ).

ـ (( على العابد الناسك الصبر على الجوع. فالجوع هو جوهر النفس والعقل معًا ) ).

ـ (( نعم ) ).

ابتسم لي وتابع بعد أن رفع رأسه إلى الأعلى: (( ثمَّة صائمون بالقوة. أو جائعون أمعاؤهم تعوي كل ليلة عواء الكلاب. أولئك هم الفقراء المعدمون في هذا العالم ) ).

ـ (( نعم ) )

ـ (( وتراهم تنتحر معدتهم بجانب مشاوي لحوم المطاعم ومعجنات الأفران ) ).

ـ (( نعم ) ).

ـ (( ) )صمت بعض الوقت.

ثمَّ أجاب: (( الأعضاء الآكلة تسكت لدى العابد الناسك. بفعل الصبر ليرقى بطاقته صبره نحو الزرقة الحانية ) ).

ثمَّ عاد للجوع بعد الصبر عليه كربيب قديم له:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت