(( الحب حالة، كحالة الضوء. يشعّ من القلب. ويدخل جنة سلام الروح ) ).
ثمَّ التفتت إليّ. كنت ألقي بعيني إلى حيث (( النطق ) ).
عادت هي وأمعنت النظر أيضًا.
ثمَّ سمعت معها: (( يا أم الخير أنت أدخلت الحب ) )في مفهوم الزهادة كمبدأ للحب المطلق لله تعالى، دون مقابل من لدنه الكريم. دون خوف من عذاب النار ودون طمع في نعيم الجنة...
صمتٌ. ثمَّ متابعة: (( وهذا مبدأ جديد، في مفهوم الحب نفسه، يعتمد الحب السامي في العشق الإلهي الذي اتخذت.... ) ).
أطرقتُ من جهتي ورحت أمعن فيما يقول الصوت. بينما هي رفعت يدها متجهة صوبه (ليسكت) .
هل رأت صاحبه يا ترى؟ أنا لم أرى في الكوخ إلاها. هكذا أهل السر يتعاملون.
قلت له: (( كف عن ذلك يوجد غيري خير مني ) ).
حتمًا هي تعني الشيخ
ـ (( وأنت أيضًا كف عن متابعة تفكيرك، اتُجاهي ) ). زفرت نفسًا: (( هو في قميص، من أقمصته، كان قد عزف عن الملك وعن وجاهة الدنيا كلها.... ) ).
ـ (( وفي قميص آخر عزف عن وجاهة الدين أيضًا. لم يرد أن تنقل للناس كراماته... ) ).
وسكتت. كأنها عملت الكرامة التي أردتها في بالي، وقد أوصاني بكتمانها.
حقيقة لم أعد أشعر بجسدي الجالس قبالتها. بل غبت بهيولى وعيي، في معراج الروح المنصوب فوق الكوخ...
وبعد أن عشت اللحظات مشبعة بشذا الإيمان، وهالة التأييد القدسي. رجعت إلى أنسي معها.
واستفد أيها التلميذ السالك. سألته بوحي من (( تلمذتي ) ):
ـ (( متى يصل الإنسان ) )؟
كأن برق شعاع ابتسامتها تحت لثامها:
ـ (( عندما يبذل المجاهد آخر شوق له، وقدرة وجد، في رضا(الحق الحبيب) . خلال قيامه الأسحار. وأصائل النهار... ))وفيض من منجم الكلمات ينداح في فضاء البيان!
امرأة مكنوزة بلغة الإشراق. تعابيرها مرّمزة كأنفاق سرية. صاغتها تحت ضجيج المشاعر المتأججة في مناجاة (( الحق الأعلى ) ): (( يا أملي... يا راحتي... يا سعادتي... القلب لا يستطيع حب واحدة آخر غيرك.... ) ).
ونزف ذاكرة، لا يوصف في الابتهال والتهجد. وها هي الأبيات من فيض شعرها الروحي تميس في فضاء الكوخ:
أحبك حبين حب الهوى ... وحب لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى ... فشغلي بذكراك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك لي الحجب حتّى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
ثمَّ سمعت الصوت: (( أليس هذا، يا أم الخير، فيضًا مسكوبًا من التسامي ) )؟