ـ كابية نحو الأرض الصوت الشجي جوقة لكل الطيور.
هييه....! لم يعد الليل موطن الفجيعة
ولا القلب موطن الصبوات. بل ها هي ذي اليمامات والقبرات والعنادل، تحوم فوق كوخها.
وتطلق أغاريدها الرخيمة في فضاء الله الرحب. كسمفونية إلهية....
عادت ونظرت إلي. عيناها! تا الله. هاتان ليستا عينين بل هما نداء استودع فيه سرُ السماء المشفوع بالحب السامي.
ثمَّ رفعت رأسها وقالت:
ـ (( أنا سعيدة بهذه المشاركة. زفّة الطبيعة بزقزقة الطير، موسيقى خالصة... كل أصوات الطيور عندي موسيقى.... حتّى نعيب البوم. ونعيق الغراب، فهما موسيقى....
ألحت برأسي ووسعّت عيني.
ـ (( الإنسان وحده، يا أسعد ـ أول مرة تذكرني هي باسمي ـ هو الذي فسّر الشؤم بهما. تراني أتهدهد بمناجاتي، على سماع معزوفة السماء هذه مع بداية الليل، وهو يسحب وشاحه الدامس على البسيطة، فكأنني استمع إلى أنغام طيور الجنة نفسها.. ) )
وأخذتها سرحة طويلة كالنوم بعد أن صمتت.
ـ (( أنا على الطريق، يا ) ).
ـ (( من يناديني؟ أنتَ.... ) )؟
ـ (( ) ). لم أجبها.
ـ (( أ طالما أنت على الطريق. ما الذي تزودّت به في سفرك ) )؟
ـ (( ) )لم أجب أيضًا. ليت لم يتحرك لساني بتلك العبارة. كان اللاوعي هو الذي تكلم وحده عني.
ـ (( علمك ـ توبتك ـ كفنك فقط أنا دومًا أحمل كفني. هو هذه العباءة المصنوعة من الصوف الأسود.... ) ).
ثمَّ سكتت وشدت عصابتها على جبهتها. هل ستباشر في طقوسها؟ أم تتركها سرًا لها؟
علمت ما جال في خاطري.
ـ (( لمت كثيرًا(عبيدة) ـ رفيقتها التي ترتاد كوخها ـ على إفشاء أسراري.... ))
تجرأت وقاطعتها: (( حدثني عنها كثيرًا الشيخ سعيد يا أم الخير
قال لي أنت قدوة في الزهادة. تنامين على حصيرة بالية وتتوسدين مخدة مصنوعة من قطعة آجر وتطوين ليلك جوعًا.... )) .
قاطعتني:
ـ (( فضيلته له أسراره، ولا يريد أن تفشي كراماته ) ).
ـ (( وأنا ) )؟ نطق اللاوعي عندي.
ـ (( لا تيأس ثمَّة نداء لأحد الصالحين جاءه بعد أن كان قاطعه طريق ـ أبو علي الفضيل بن عياض ـ وصل إليه حنينًا من أعالي اللون الأزرق، وهو في طريقه إلى جارية. فما سمعها، وهو يتسلق الجدار.
تقول: ألم يحن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله؟ رجع عن نيته الشريرة. واغتسل من ذنوبه وزهده. زهادته كانت إقامة تحت درج سلم بيته مدة عشرين سنة وهو يعبد ربه صابرًا.... )) .