وقصف الرعد فهز كيان المركبة الضخمة، وانطفأت أنوارها ثم عادت..ومرت ستون دقيقة بثوانيها في ذلك الطقس المتوحش، وركاب الطائرة وحتى مضيفاتها مسمرون إلى مقاعدهم، شاحبي الوجوه ينتظرون الضربة القاضية..وأخيرًا وجدت الطائرة مخرجًا من خلال فجوة واسعة في الغيوم، فانطلقت نحو سماء زرقاء تتلألأ بالنجوم بعيدًا عن غضب العاصفة.
ولأول مرة سمع صوت الربان في بوق الطائرة، يرحب بالمسافرين بصوت ناعم مسترخٍ:
سيداتي وسادتي، مرحبًا بكم على متن طائرتنا. لابد أنكم لاحظتم أننا كنا نصارع عاصفة هوجاء طوال الستين دقيقة الفارطة. وبفضل أجهزتنا الحديثة استطعنا تفادي نقط الخطر فيها. وقد أصبحت العاصفة وراءنا، وهناك أحب أن أراها.""
ثم دخل في تفاصيل الرحلة.
وتنهد الدكتور هالين، ونظر إلى رفيقه الدكتور ناكاتا مبتسمًا، فابتسم هذا بدوره.
وتحرَّكتْ المضيفات، وقد علا وجوههن بشر بعد ذُعر، وتوردُّ بعد اصفرار.
ووقفت إحداهن تسوي قبعتها الأنيقة على شعرها الحريري، وتسأل زميلاتها:
-هل تعرفن من معنا على متن الطائرة؟
-من؟
-لا أقل من الدكتور هالين، إيريك هالين.
وسألت إحداهن:
-ومن هو الدكتور هالين؟
فأجابتها أخرى:
-خبير هيأة الأمم المتحدة في مكافحة الإشعاع الذري.
وعلقت الأولى:
-أنفس دماغ في العالم اليوم!
وسألت أخرى:
-هل هو متزوج؟
فحملت الأولى صينيتها، وأسرعت نحو الدرجة الأولى قائلة:
-أنا أسبقكن إلى لقائه!
وانحنت بالصينية، ونظرت إلى الدكتور هالين وهو يلتقط الكأس، فاتسعت عيناها السماويتان وفتحت فمها في دهشة سعيدة مصنوعة:
-دكتور هالين؟
-نعم.
-أنا سعيدة بلقائك. سمعت وقرأت عنكم كثيرًا في صحافتنا السويدية.
-شكرًا على اهتمامك. لم أكن أعتقد أن الحسان يتتبعن أحوال الشيوخ مثلى.
وضحك هو ورفيقه. فقالت مستنكرة:
-ماذا تقول؟ أنت ما تزال في ريعان الشباب.
وتدخل الدكتور ناكاتا مادا كأسه للمضيفة:
-سأشرب نخب ذلك!
وضحك الثلاثة.
وبعد العشاء والسينما، دفع الدكتور هالين كرسيه إلى الوراء. فجاءته المضيفة بوسادة وغطاء نشرته على ركبتيه، وأطفأت النور هامسة:
-ليلة سعيدة!
ونام الدكتور هالين ليستيقظ في مكان لم يكن يحلم به...