فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 1574

أحس الدكتور نادر بالقنوط والضيق يدبان إلى روحه دون أن يعرف لهما سببًا.

وتردد في خياله صدى تعليق صديق زاره وهو في نوبة ضيق ويأس، فقال له، بعد نقاش طويل حول الزواج والحياة السعيدة:

"شعورك بالضيق واليأس قد يكون مصدره عدم إيمانك بعالم الروح. ومن عالم الروح الحب، الحب حتى في تعبيره البدني.. البدني.. البدني.. البدني!".

"ترددتِ تلك الكلمة في ذهنه بأصداءَ وأصواتٍ وأبعادٍ مختلفة حتى بدأ يحرك رأسه بعصَبية ليرميها خارجه."

وأخيرًا وقف وجهًا لوجه أمام فتاة طويلة ذات شعر غابي مفلفل بآلاف الخواتم، وعلى عينيها نظارة حمراء باهتة بإطار نحاسي، وهي تمضغ العلك. وأحس بالحرج فنظر حواليه ليرى جمهورًا غفيرًا يغادر سينما"الكلاسيك".

وأحس بالطبول التي كانت تدق داخل دماغه تسكت فجأة، وبالصمت والسلام يخيمان على روحه. وشعر برطوبة الجو تُلامس وجهه الملتهب، فأقفل عينيه واستنشق نفسًا طويلًا من نسيم الليل البارد، وأخرجه ببطء والتذاذ.

ولم يدرك أنه ترك وراءه"كارلايل سكوير"حيث يسكن، إلا حين وجد نفسه على شارع"ريد كليف جاردنز"فدخله ووقف ينظر إلى بوابة"مقهى الفنانين"الذي سمع عنه كثيرًا ولم يزره قط. وأحس بالإعياء فجأة، فقرر أن ينزل إلى المقهى ويتناول فنجان شكلاط ساخن، ويضيع نفسه بين الناس والموسيقى.

ونزع معطفه وسلمه للفتاة القابعة بدولاب المعاطف.

وقصد إلى ركن قصي فقعد إلى طاولة نظيفة، وجاءه شاب ليأخذ طلبه، وحين قال له أنه يريد شكلاط ساخن كتبه على سجله ووضع السجل في حزامه، وانحنى على المائدة يرتب ما عليها، والدكتور نادر ينظر إلى وجهه الشاب الصافي البشرة، عليه مسحة من أنوثة. وذهب الشاب فإذا بفتاة تقف على طاولته لابسة معطفًا أسود ثقيلًا وقبًا من فرو لماع خرج من جوانبه شعرها الأحمر، وعلى وجهها علائم تعب وبرد. انحنت على الدكتور نادر بأدب تسأله:

-هل أشاركك الطاولة؟

وفوجىء بالسؤال فوقف لها لتجلس:

-طبعًا، تفضلي..

وشكرته، وهي تسلخ عنها المعطف الثقيل وتضعه على الكرسي أمامها، ثم تنزع القب الفروي وتضعه فوقه وهي تتلكم:

-آسفة أن أُثقل عليك، ولكن، كما ترى، لا توجد هناك موائد فارغة.

فرد بقليل من الحرج:

-لا، أبدًا! أنا وحدي هنا، وليس عدلًا أن أحتكر الطاولة كلها.

-شكرًا على أي حال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت