فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 1574

وبدأت تبحث في حقيبتها عن علبة سجائرها ثم القدَّاحة والدكتور نادر يلاحظها بطرف عينه مستأنسًا قليلًا بمخلوق بشرى إلى جانبه. وأخرجت سيجارة فوضعتها بين شفتيها، فتناول هو القداحة من بين أصابعها البادرة قائلًا:

-هل تأذنين؟

وأشعل سجارتها وهي تنظر إلى وجهه على ضوئها الأصفر، وكأنها فوجئت بأن النبل والرجولة ما يزالان على قيد الحياة.

-شكرًا يا سيدي، شكرًا!

-العفو.

ولمس في كلامها لكنة اسكوتلاندية فسألها:

-من أي مكان؟ من اسكتلاندة أنت؟

-كيف عرفت أنني اسكتلاندية؟

-طائر صغير أوعز لي بذلك.

فابتسمت وقالت:

-إنَّه سؤال سخيف، لكنتي المحلية تفشي سري على بعد أميال!

-أحب اللهجة الاسكتلاندية، فبها خشونة البادية وجمالها.

-شكرًا! أنت رجل لطيف، من أين أنت؟

-خمني.

-إيطالي.

-لا.

-أعرف، أنت إسباني.

-كلا! ولكنك قريبة.

-عربي؟

-نعم، من المغرب.

-من شمال إفريقيا، إذن!

فصاحت وكأنها رأت أحدًا تعرفه، وأشارت إليه بأصبعها، وعلى وجهها ابتسامة:

-أتعرف أنني كنت على وشك أن أذهب إلى طنجة؟ لم يبق بيني وبينها إلا البوغاز.

-وماذا حدث؟

-أنذرنا دليلنا الإسباني بأن المغاربة لصوص وكذابون وقتلة وغشاشون في البيع والشراء، فخفت وبقيت في إسبانيا. قل لي، هل ذلك صحيح؟

-بعضه، كما في إسبانيا نفسها أو إيطاليا أو أي بلد بحري.

وجاء النادل فوضع فنجان الشكلاط أمامه، ونظر إلى الآنسة، فسألها الدكتور على نادر:

-ماذا ستطلبين؟

فطلبت"أومليت"وقهوة، وارتاحت في مقعدها تمتص دخينتها وتتحدث كأنها تعرف الدكتور نادر منذ أعوام. وأتيح له أن يتأملها فأعجبه وجهها المنمش قليلًا في أعلى الجبهة وعلى رانفة الأنف. كانت أسنانها لؤلؤية نظيفة، وشفتاها ممتلئتين.

وجاءها الشاب بعشائها فأكلته بسرعة، ومسحت فمها بمنديل الورق، ثم أشعلت سجارة واتكأت إلى الخلف تدخن وتتحدث.

وعاد المغني إلى الظهور على المسرح، وبدأ بأغنية كانت أغنية ذلك الموسم، فبدأت هي تتمايل معها وتردد الكلمات:

"لا داعي لأن تقول إنك تحبني"

"ولكن ابق مني قريبًا..."

"ولا داعي لأن تبقى إلى الأبد"

"فسوف أفهم".

وكان بعض الزبناء قاموا للحلبة يرقصون، فسألها:

-هل ترقصين؟

فقامت في الحال مسرعة حتى لا تنتهي الأغنية دون أن ترقص عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت