فهرس الكتاب
فردت تاج وهي تسوي غطاء على حشيتها:
-لو أتيح لنا أن نختار، لاخترنا جزيرة"فيجي"الخضراء على الضياع في الصحراء.
وتمددت على الحشية، فاحتذى نادر حذوها، وتمدد على أخرى مقابلة ونظر إلى سقف الخيمة في تأمل عميق، ثم قال وكأنه يفكر جهرًا:
-خُيِّلَ إليَّ هذا الصباح، وأنا أنظر من فوق ذلك التل الرملي إلى الآفاق المترامية، أن الصحراء سجن هائل... حدوده هي لا حدوده... حدوده في داخلنا، في ضعفنا على السيطرة عليها، على الخروج منها أحياء إذا نحن همنا على وجوهنا.ثم قال:
-بالمناسبة، نحن محظوظان بشكل عجيب. نسقط في قلب الصحراء، وبعد ليلة واحدة تحت عاصفة هوجاء بدون طعام ولا ماء، تعثر علينا قافلة عابرة تأتي بنا إلى واحة خضراء.
وسألت تاج:
-هل ستعود إلى الموضوع أم ستنساه؟
-أي موضوع؟
-موضوع الصحراء والسجن. أعتقد أنها فكرة حية.
-آه! عفوًا يا عزيزتي.. ذلك أحد أعراض المرض العربي، الفوضى العقلية، الاستطراد. تلك الفوضى معششة في عقلي ورثتها عن الأجداد مؤلفي المصنفات والحواشي والشروح وشروح الشروح وهوامشها وطررها، إلخ، إلخ..
وتنهد وهو يستعرض صفوف الكتب الصفراء على رفوف مكتبة أبيه القديمة ونقوشها الذهبية وسطورها التي لا تقاطعها نقطة أو فاصلة أو أول سطر كأنها صفوف النمل.
وسمع أنفاس تاج عميقة، فأدرك أنها نامت عنه وهو يتفلسف، فابتسم وتغطى وأغمض عينيه.
ولما أفاق سمع أصواتًا وغناء ودق دفوف آتية من بعيد، وبقي لحظة ينظر إلى عمود الخيمة ويتساءل أين هي.
المغامرة كلها كانت كابوسًا طويلًا بالنسبة إليه. ولكنه أفاق ليجد، لخيبة أمله، أن الحلم هو الحقيقة وأنه ليس في غرفة نومه بشقته بلندن، حيث يخرج يده من تحت الغطاء ليشعل الراديو ويستمع إلى آخر الأخبار، قبل أن يغادر الفراش.
وتساءل يا ترى ماذا تقوله الصحف والإذاعات والتلفزيون عنه في لندن. إذا كانوا أخبروا أنه مات فلابد أن الخبر واصل إلى أهله بالمغرب، وأنهم سيعانون أحزانًا وآلام لا داعي لها.
ومن جهة أخرى، حين يظهر هو بنفسه في لندن، سيحدث انفجارًا في الصحافة ووسائل الإعلام كلها. وسيعامل كشبح عاد من عالم الأموات. ولم يفته أن مثل هذه الشهرة ستجعل الناشرين يتهافتون على كتبه، حتى التافه منها! لذلك عليه أن يعود سريعًا.
وسمع نحنحة على باب الخيمة ثم ندا رجل باسمه، فصاح:
-نعم!
-الشيخ يطلبك. صلاة المغرب قريبة.