فهرس الكتاب
وخرج فتيمم على صخرة ملساء، ثم لبس حذاءه وتبع دليله إلى حيث أقبل على جميع غفير من رجال القافلة في دائرة كبيرة حول شيخهم وهو يتحدثون.
وصافح الشيخ الدكتور الذي سلم مبتسمًا على الجماعة، وجلس إلى جانب الشيخ.
كانت الشمس تكاد تلمس الكثبان الممتدة غربًا وهي تنزل في بطء وجلال إلى مغربها.
والتفت إليه الشيخ متفقدًا:
-لعلك ارتحت الآن قليلًا.
-ذلك بفضلكم وحسن ضيافتكم يا مولانا. السيدة وأنا في أحسن حال، ولا يقلقنا إلا انزعاج أهالينا وربما يأسهم علينا.
وحرك الشيخ رأسه وأشار بيديه معًا مصبرًا له بحركة رشيقة.
-لابد من الصبر الآن. أنتما في أمان، وحين تعودان إلى بلدكما سيفرح أهلكما. ولكننا هنا محدودون بقوانين الصحراء. لا يمكن أن نتحرك حتى نأخذ الإذن منها. وأنت ما تزال تذكر العاصفة الرملية التي أحرقت طائرتكم. إنها تنقل الجبال، وتغير وجه الأرض فتضلنا عن الطريق.
-لاشك عندي أن خبرتكم يا مولانا بالصحراء وخباياها وتغير وجوهها لا يمكن أن تخدعها زوبعة أو إعصار. رجل الصحراء يشم الاتجاه ويحسه...
ورفع الشيخ رأسه فجأة لينظر إلى ناحية الخيام، والتفت جميع من كان في الحلقة من رجال معممين ملثمين بعمائم زرق، ونظر الدكتور نادر فلم يجد شيئًا غير عادي، ولم تمض بضع ثوان حتى ظهر رجل يجري نحو خيمة الشيخ.
-مولانا! مولانا!
-ماذا؟
-ولدكم فارس!
-ماذا أصابه؟
-لقد هرب! فكَّ القيد وهرب!
وبدا التذمر على وجه الشيخ، فصاح بالرجل:
-وماذا تنتظر؟ اتبعوه واقبضوا عليه. لن يذهب بعيدًا.
-لقد خرج حارسان للبحث عنه!
وظهر على وجه الرجل القلق والألم. فقال الدكتور مستفسرًا:
-مولانا! أرجو أن يكون بخير. هل يمكن أن أساعد بشيء؟
وحرك الشيخ رأسه في حسرة، وقال:
-فارس ولدي كان فتى نجيبًا منذ صغره. بهرني ذكاؤه وسرعة حفظه للقرآن. حين كان سنه إحدى عشرة سنة كان يكتب القرآن بدون أخطاء، ويحفظ عددًا من المصنفات كالألفية والأجرومية وبعضا من الشيخ خليل. ونصحني بعض أصدقائي من سوس أن أبعث به إلى القرويين بفاس، فانتظرت حتى بلغ السادسة عشرة، وأرسلته إلى صديق لي هناك. وكنت أذهب كل صيف لزيارته أنا وأمه. وبعد أربع سنوات بدأ الولد يتغير. وشعرت بخطر ذلك التغير، فطلبت منه أن يعود معنا تلك السنة حتى لا ينسى عادات قومه وأصدقاءه الذين عاش بينهم.