فهرس الكتاب
ولم تمض فترة على وجوده هنا حتى بات الآباء يشتكون من تسرب أفكاره إلى عقول أبنائهم وإفسادها. وانفردت به لأسأله هل ذلك حقيقة، فوجدت أنه ملحد ينكر تقاليد قومه، ويدعو علماءنا بالمشعوذين، وينعتُ شيخ طريقتنا بمضل المسلمين، ويقول إن الطرق بدع وضلالات مصيرها النار.
وخفق قلب الدكتور نادر لرومانسية قصة الشاب الهارب.... وهمس لنفسه:
"هذا ولي آخر يبعث في قلب الصحراء..."
ثم التفت إلى الشيخ سائلًا:
-ومنذ متى هو أسير عندكم؟
-منذ ستة أشهر وهذه ثالث مرة يحاول فيها الهروب. لقد أقسمت بأغلظ الأيمان أنني لن أفك قيده حتى يعود عن ضلاله وإلحاده، ويتراجع عن افتراءاته أمام الجماعة، فرفض الملعون وفضل القيد! لولا أمه.... لولا أمه لقتلته!
-مولانا، أرجو أن يكون ما تسميه إلحادًا هو فقط تطرف في أفكار الشاب الذي يدخل المدارس والجامعات العصرية. والإلحاد تهمة كبيرة لا ينبغي أن تلقى جزافًا. لذلك أرجو أن تستعمل الرحمة في حقه.
وبَدَا الأسى على الوجه الأسمر القوي الملامح، وخَبَا البريق الحاد في عينيه وهو يقول:
-كدت أيأس، وكم دعوت الله أن يهديه، ولكن"إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء".
ووضع الدكتور يدا ناعمة على كتف الرجل، وقال:
-مولانا، إذا أعاده الرجال من مهربه هل تعدني أن تتركني معه ساعة لأرى دخيلة نفسه؟ أنا غريب، وأفهم عقلية الشباب القرويين. وربما فتح لي قلبه فأضع يدي على مرض نفسه. وأنتم تعلمون أن للنفس أمراضًا كالجسد تمامًا. فهل تأذنون لي..؟
وحرك الرجل رأسه موافقًا، وقال:
-إذا أفلحت معه، فستكون توبته أعظم هدية تقدمها إليَّ، وسوف أخرج عن طريقي لأُوصلك إلى مقصدك.
وبعد لحظة كان الشيخ فيها يلعب بسبحته بعصبية ظاهرة سأله الدكتور نادر:
-هل تعتقد أنهم سيلحقون به؟
-دائمًا يلحقون به. حين عاد من فاس عاد أعمى البصر البصيرة. لم تعد غريزته الصحراوية ماضية كما كانت. لذلك لا يستطيع أن يذهب بعيدًا دون أن يترك آثارًا تدل على اتجاهه كأية ناقة أو بعير.
وترامى إلى سمع الدكتور نادر صوت مؤذن يدعو لصلاة المغرب. كانت السماء ما تزال زرقاء، تزداد زرقتها عمقًا ناحية الشرق. وفي الأفق الغربي كانت آثار سحائب رقيقة برتقالية ترصع الشفق كأمواج الذهب.