فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 1574

ورفع هذا ستار الخيمة وسلم ودخل، فإذا بشاب في حوالي العشرين، طويل الشعر، نحيفٍ، حاد النظرات. وحين رأى الدكتور نادر سمر فيه عينيه ولم يُردَّ التحية.

قال الدكتور:

-"وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها."وقد قلت السلام عليكم!

-من أنت؟ وماذا تريد؟

-اسمي نادر. علي نادر.

-من أين جئت؟

وابتسم الدكتور وهو يقول:

-سقطت من السماء! هل تصدق ذلك؟

-هل تريدني أن أضحك؟!

-أريد أن أقول لك إنني جئت لأتحدث إليك، وأنك لا ينبغي أن تخاف مني. لقد أقنعت والدك بأن العنف والضغط لا يخلقان إلا الحنق والتمرد. وهو يعتقد أنك خرجت عن الجماعة، وأصبحت ملحدًا منذ عودتك من فاس. هل هذا صحيح؟

وسكت الشاب. وتقدم الدكتور نادر منه، فلاحظ السلاسل، فعاد إلى خارج الخيمة ونادى الشيخ:

-مولانا. هل تسمح لي بمفاتيح القيد؟ أعتقد أن فكه سيكون عربونًا على حسن النية والرغبة في التفهم.

وأعطاه الشيخ المفتاح، فعاد إلى الخيمة، وفك القيد عن ساقي الشاب ويديه، ورمى به في جنب الخيمة قائلًا:

-أرجو حين أخرج من هذه الخيمة أن آخذ ذلك القيد لأرمي به في زريبة البهائم! والآن أرجو أن تصدق أني هنا لأساعدك على فهم والدك، وأساعده على فهمك. فقد كنت مرة شابًا في مثل سنك، وكان لي أب مثل أبيك. أنا أعيش في القرن العشرين، وهو في العصر الجاهلي، وما أجده أنا من المسلمات التي لا تحتاج إلى مناقشة، يجدها هو كفرًا وإلحادًا.وبدأ وجه الفتى يتغير، ويبدو عليه الاهتمام والاستجابة. واستأنف الدكتور:

-أتعرف أن أبي ما يزال يعتقد أن الأرض مسطحة؟ ولو أخذته في طائرة ودرت به الأرض لحرك رأسه وقال:"والأرض بساط"و"الأرض دحاها"و"جعلنا الأرض مهادا"صدق الله العظيم! وحين كبرت بدأت أفهم أن عقلية الإنسان تتحجر حين يبلغ سنًا معينة، ولا تبقى لينة تتقبل الأفكار الجديدة، كما كانت حين كانوا صغارًا في مثل سنك. وسوف تكبر أنت ويصعب عليك أن تتنازل عن أفكار كثيرة آمنت بها في شبابك!

ونظر الفتى إلى الدكتور، وتكلم لأول مرة متأثرًا:

-حين أصبح مثل هؤلاء سأقتل نفسي!

-بالعكس، تذكر ما قاله المتنبي:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

ونظر الفتى إلى الأرض، وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت