فهرس الكتاب
ووقعت عيناها على وجهه الملتحي وقد كسا الرمل جانبه الأيمن، وهرب عنه الدم واسودت محاجره، وكأنه شبح أوميت لفظه قبره... نظرت إليه وهي جامدة في مكانها دون أن تميزه. وأخيرًا لاحظت خط الدم على صدره فارتعشت شفتاها وهي تحاول الكلام وقد اغرورقت عيناها، ثم ارتمت على ساقيه وانفجرت باكية بحرفة:
-علي! علي! حبيبي! شكرًا لله! أنت ما زلت على قيد الحياة! شكرًا لله!
وانخرطت في نحيب متقطع وهي ممسكة بساقيه تقبلهما وتبللهما بدموعها وهو واقف لا يتحرك كالتمثال.
وبردت حرقتها، فرفعت عينيها لترى من خلال دموعها وجهه الخشبي البارد. وتراجعت قليلًا، فمسحت دموعها بكمها، وعادت تنظر إليه وقد بدأت علامة استغراب تكسو وجهها الباكي وقالت:
-كيف تحس؟
وفتح فمه لأول مرة ليقول:
-ماذا فعل بك ذلك الوحش؟
وارتعشت بعض أعصاب وجهه وهو يجاهد لكتم انفعاله. كانت الغيرة القاتلة تحرق قلبه.
وطأطأت نحو الأرض وهي تقول:
-لاشيء يا علي، لاشيء بالمرة...
-لا تزيدي الطين بلة! لا تكذبي علي!
-أقسم لك يا علي! أقسم لك أنه لم يضع أصبعا عليَّ! وأنا طاهرة كما عرفتني. ثم رفعت رأسها إليه بعينين فيهما عتاب واستعطاف:
-علي، أرجوك... لا تضاعف آلامي! فقد ذقت ما فيه الكفاية. لقد كدت أخرج عن عقلي حين رأيتك طريحًا هناك والدم يفور من صدرك! فلا تفسد سعادتي بعودتك حيًا إلي بغيرتك التي لا أساس لها...
-لا أساس لها؟ هل أطلق الرجل النار عليّ وانفرد بك لتقصيِّ عليه الأقاصيص؟
-الرجل الأزرق ميت!
-ميت؟!
وحركت رأسها دون أن تنطلق، فسأل:
-من قتله؟
-لا أدري.
-ألم تسمعي طلقة نار أو تري أحدًا؟
وحركت رأسها بالنفي، ثم قالت:
-لقد أغمي علي حين طرحني أرضًا. وحين أفقت وجدته جثة هامدة.. لا أثر للدم في جسده. لابد أن أصيب بسكتة قلبية.
ورفعت عينيها فرأته يضع كفه على مكان الجرح، ويزم شفتيه مقاومًا سهام ألم حاد، فوقفت ومدت يدها نحو الجرح تريد تضميده فدفعها عنه باليد الأخرى، ومشى نحو الخيمة بخطوات مرتبكة كأنه تحت مفعول مخدر.
ودخل الخيمة فنظر إلى جثة الرجل العاري ثم أدخل قدمه تحت بطنه وقلبه على ظهره لينظر إليه. وحين لم يجد أثرًا بجسده لجرح أو دم عاد إلى حيث تاج، ووقف وراءها وهي ما تزال في جلستها مسمرة عينيها على الأرض.
-ماذا كت تدفنين في تلك الحفرة؟
وفجأة أحس بضعف شديد، ووقع على ركبتيه حين عجزت ساقاه عن حمله.