فهرس الكتاب
فتح الدكتور نادر عينيه على ضباب كثيف بدأ يرق مع سريان الانتعاش في إحساسه، فلاح له شبح وجه إنسان قريب منه للغاية... ولم يلبث أن بدأ الوجه يتماوج كأنه ينظر إليه في بركة ماء. وانقشع الضباب تمامًا عن الوجه، فبرزت ملامحه قوية واضحة ترتسم عليها ابتسامة مشجعة... كان وجه أنثى شابة واسعة العينين زرقاءهما تكاد رانفةُ أنفها تلمس أنفه.
وتحركت شفتاها فسمع أصواتًا متداخلة مع أصداء عالية بعيدة... وابتعد عنه وجه الأنثى قليلًا فاستطاع أن يراه بأكمله.ورآها تخرج من تحت الغطاء فأدرك أنها كانت نائمة معه في فراشه، وأن جسدها العاري كان ملتصقًا بجسده.
وغابت في ركن ثم عادت تحمل صينية عليها كأس به عصير برتقال. وجلست على طرف السرير، ووضعت الصينية على طاولة جنب الفراش، وضغطت زرًا إلى جانب رأس نادر فارتفع نصف الفراش الأعلى، ومعه رأس نادر وصدره فناولته الكأس، وساعدته على شرب ما فيه. وأحس بالمشروب باردًا عذبًا يداعب حنجرته الجافة.
وسرى مفعول العصير السحري في عروقه في الحال، فأحس باليقظة والتجدد في نشاطه... ونظر حواليه ليجد نفسه في غرفة مستديرة في منتهى الأناقة والغرابة كأنها إحدى غرف عصر الفضاء. الحيطان من زجاج مزخرف بأشكال متداخلة متشابكة كأحلام المخدرين، والسقف قبة زجاجية زرقاء، تصفي أشعة الشمس اللاهبة بالخارج لتُدخل ضوء باردًا فيه راحة للبصر والأعصاب.
ونظر إلى الفتاة التي كانت ما تزال عارية، دون ارتباك أو خجل، ودون أن يكون في جسدها الشاب ما يدعو إلى الخجل أو الاستحياء.. كان شعرها الرملي اللون يتدلى وراءها قويًا كذيل فرس أشقر في تناسق مع بشرتها الذهبية.
وأحس بفقدان حاسة الزمن، وأنه في تلك اللحظة بدون ذاكرة ولا ماض...
ورفع عينيه فوقعتا في زرقة عينيها الواسعتين المليئتين صراحة وقوة، وسأل:
-أين أنا؟
-ستعرف قريبًا..
قالتها بلكنة ويلز الجميلة، فسأل:
-من أنت؟
-أنا ممرضتك ومرافقتك. كيف تحس الآن؟
-تائه.!.
فابتسمت لتنفرج شفتاها عن أعذب ثغر رآه، ثم قالت، وهي تنزع عن جسده الغطاء وتشعل نورًا مستطيلًا معلقًا فوق فراشه:
-سوف تجد نفسك سريعًا. هذه حالة عارضة.
ثم أشارت إلى الضوء قائلة:
-حمامك الشمسي. بعد قليل سيأتي الطبيب لفحصك.