فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 1574

لم يدر الدكتور نادر كم قضى في جلسته المتحجرة.. فحين استيقظ كان الليل قد أطبق، واكتسى وجه البحيرة بعتمة باردة جعلت وجهها كصفحة من الفولاذ الأزرق...

وشعر بألم في ساقيه لخدر أصابهما أثناء نومته المغناطيسية الطويلة.... أيقظه إحساسه بشيء يتحرك على شاطىء البحيرة، والتفت فإذا صف طويل من المشاعل، وأصوات كنائسية تنبعث من ناحيتها...

وفرك رجليه ثم وقف ليمعن النظر في الموكب، فإذا وجوه مألوفة للعلماء والمبرمجين والفنانين في ملابس بيضاء فضفاضة، يرددون تراتيل آلية إليكترونية لم يفهم ألغازها وهم يتحركون نحوه..

وعند وصولهم إلى الشاطىء المواجه لوجه معاذ المرمري البارز في وسط البحيرة، وقفوا ثم ركزوا المشاعل وراءهم وتوجهوا نحو البحيرة حيث جثوا في حركة واحدة خاشعين..

ولم يصدق نادر عينيه.. حرك رأسه مرارًا وهو يأمل أن يكون في حلم لا يلبث أن يفيق منه ليجد حقيقة غير هذه التي يعيشها...

وبحركة لا إرادية خطا نحو الموكب الساجد، وقد أضاءت المشاعل ظهورهم وانعكست أشعتها على الوجه الضخم، فخيل إليه أن تقاسيمه تنفرج عن ابتسامة ساخرة...

وصاح الدكتور نادر في هدأة الليل:

-"معاذ"مات! مات"معاذ"!

وترددت أصداء صرخته بين قمم"الجودي"وأغواره... والتفت قائد الموكب لينظر إلى نادر بعينين غائرتين فيهما الغضب والفزع والتعصب..

وتعرف الدكتور نادر فيه على وجه الدكتور كرونين، فناداه:

-دكتور كرونين.. أنا علي نادر.. أقول لك إن معاذًا مات..! قتلته بنفسي...! إذا لم تصدق فحاول الاتصال به..

ووقف كرونين وتناول شُعْلَتَه، ورفعها ليحملق حيث يقف نادر. وحين رآه التفت إلى الموكب الطويل وصاح بوصت مرتعش غاضب:

-اقتلوا ذلك المارقَ الهِرْطيق..!

وتوجه نحوه ليهوي عليه بالمشعل وهو يقول:

-"معاذ"حي لا يموت! ستذوق جزاء كفرانك، أيها الملحد الفاسق..!

وأدرك الدكتور نادر خطر الموقف، فاستدار وانطلق يعدو حتى اختفى في الظلام..

ووجد نفسه على حافة الجبل يلهث من التعب، وأصوات مطارديه وشعلهم تملأ المكان. فانبطح بين شعاب الصخور وقد دق قلبه في انتظار النهاية الحتمية.

وفجأة أحاطت به المشاعل من كل مكان. ولمع حد الشواقير والحراب في أيدي الجماعة المتوحشة... ونظر إلى وجوههم التي كان ألف فيها الذكاء والدماثة، فوجد أنها تغيرت، وغاب من عيونها كل بريق بشري..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت