وعند نهاية السلم وجد نفسه على شاطىء البحيرة، وقد تغير وجهها بظهور كتلة ضخمة في وسطها لم يستطع تمييزها. واقترب من الشاطىء قليلًا وهو يتأملها ليدرك أنها رأس هائل من المرمر الأبيض، تشبه ملامحه الهضيمة وجه"معاذ"في ساعاته الأخيرة...
وانقبض قلبه وخفق بسرعة. هل يكون كل ما حدث مع"معاذ"تمثيلًا وخدعة من صُنْعِه؟
وصدمه الهدوء الهائل الذي كان يشمل شواطىء البحيرة. وتذكر أنه كان تركها حية عامرة بالمحتفلين بمهرجان الربيع...
وفي غبش المساء لاحظ كتلًا جامدة كالصخور على حواف الماء، فخطا نحوها متحريًا. لم يكن رآها من قبل. وفوجىء بأن الكتل كانت رجالًا ونساء راكعين في صلاة خاشعة، مولين وجوههم نحو الرأس المرمري الهائل داخل البحيرة...
وتعرف على الدكتور أديب إسكندر الذي كان وجهه الأسمر قد كساه الشحوب، فناداه:
-الدكتور إسكندر!
ولم يستجب، فأعاد نادر النداء، وتقدم حتى وقف بجانبه، ووضع يدهُ على كتفه. ورفع الدكتور إسكندر وجهًا جامدًا لينظر إلى نادر، وكأنه لم يره من قبل، فسأله نادر:
-ماذا حدث؟
ولم ير في عينيه علامة للتعرف أو الفهم، فعاد يسأل:
-هل رأيت كارول؟ هالين؟ أي واحد من جماعتنا؟
ولم يجب الرجل، بل عاد إلى صلاته يتمتم بدعوات لم يفهمها نادر.
وتركه محتارًا إلى فتاة جاثية على بعد أقدام منه فكان رد فعلها مماثلًا...
وعلى بعد عدة أمتار لاحظ نادر أجسادًا ملقاة على رمل الشاطىء مبتلة الملابس، وكأن الأمواج ألقت بها حديثًا على البر..
وجرى نحوها فتعرف على وجه الدكتور فدراك بلحيته السوداء، وهو ملقى على ظهره مفتوح العينين والفم..
وجَثَا الدكتور نادر بجانبه وتناول رُسغه، وجس نبضه ووريده، فوجد الرجل ميتًا.
وخطا نحو جثة أخرى فاقشعر جلده.. كانت جثة كارول ملقاة على وجهها، فقلبها ليتأكد. وأمسك كتفها وحركها بعنف، وكأنه يأمل أن يعيدها إلى الحياة...
وحين تأكد من ذهابها ضم جسدها الشاب إلى صدره وبكى بدموع صامتة...
وحملها بين ذراعيه، وقد تدلى شعرها، وارتخت يداها وسار بها نحو الرمل الجاف، حيث وضعها بحنان كبير تحت سنديانة ضخمة... وقطف عدة أغصان وزهور وضعها حول جسدها وطوق وجهها بالأقحوان.. وتربع عند جذع الأيكة ينظر إليها في كمد صامت، وقد تجسمت في جسدها الميت كل أمانيه التي انهارت، وكلُّ حبه الذي كان يحمله لتاج..!