وخدره صوت المروحة الرتيب ودفء الكرسي المريح وصمت الرفيق الغريب وحلكة الليل، فأحس بأعصابه المتوترة ترتخي، ولم يدر كيف انسدل جفناه وراح في سبات ثقيل...
لمست خيوط الشمس الحريرية الأولى رؤوس التلال والهضاب، فانعكست ظلال الصباح الباردة على الأحقاف الرملية العذراء تبشر بأزلية الصحراء...
وفتح الدكتور نادر عينيه حين وقعت عليهما أشعة الفجر من خلال قبة المروحية الزجاجية الجاثمة على الرمل، فالتفت حواليه ليرى أين هو. كان كرسي الطيار إلى جانبه فارغًا، فأحس بفزع خفيف من أن يكون ترك وحده في قلب الصحراء... ونظر خارج الطائرة فتبين أنه في واحة خضراء مألوفة عنده.
واعتدل في كرسيه، فإذا على الأرض أمام الحوامة إنسان يقف موليًا إياه ظهره. وركز انتباهه فإذا الواقف امرأة ذات شعر أحمر حريري مسرح إلى الخلف، وعليها عباءة بيضاء.
وقفز قلبه وهو يفتح الباب لينزل. وما إن لمست قدماه الأرض حتى نادى:
-كارول؟
والتفتت المرأة بعد ارتعاشة فزع صغيرة، فإذا هي كارول نفسها.. أجمل في تلك اللحظة منها في أي وقت.. تواجهه بوجه صبوح وعينين مليئتين حياة ودفئًا...
وفتحت له ذراعيها فارتمى بينهما وضمها إلى صدره بقوة، وقد ابتلت عيناه دون أن يدري...
وبعد لحظة أبعدها عنه لينظر إليها، ثم سأل:
-ولكنني تركتك... تركتك...
فأضافت:
-ميتة؟
-أكاد أقسم أن نبضك كان متوقفًا
-توقف مؤقتًا فقط.
-لابد أنها معجزة لقد حاولت إرجاعك إلى الحياة بكل قواي، ولكنك كنت جثة هامدة..!
ثم ضمها إليه مرة أخرى، قائلًا:
-ولكن شكرًا لله على عودتك..! لن أتساءَل عن الأسباب.. فلابد أن هناك عالمًا آخر وراء هذا بيننا وبينه حجب وأستار...
وسألته كارول عمَّا إذا كان جائعًا، فتذكر أنه لم يأكل مدة يوم وليلة، فعادت إلى الحوامة وأخرجت بعض الطعام، وافترشت لحافًا تحت دغل من النخيل وجلسا يأكلان.
وسأل نادر:
-ماذا حدث؟ من جاء بنا إلى هنا؟ أين طيارنا الصامت؟
وابتسمت كارول وقالت:
-أنا طيارك الصامت... لم أرد أن أكشف لك عن هويتي ونحن في الفضاء في حلكة الليل حتى لا أفزعك. فقد كنت تظنني ميتة.
ولاحظ نادر أنها اكتسبت عادات جديدة لم تكن لها من قبل، رغم أنها مألوفة لديه. ولكن ملاحظته بقيت في شعوره الباطن، كما بقي إحساسه بأن هناك هالة غريبة تحيط بشخصيتها...
وعاد يسأل:
-ماذا حدث؟
وركزت كارول عينيها في الفراغ وكأنها تجمع أشتات خيالها، ثم قالت: