واكتظ الفندق الذي نزل به برجال الصحافة وأعضاء الجمعية الأنثروبولوجية وآلات التلفزيون والراديو، فقرر أن يجتمع بالجميع في مؤتمر صحافي بمسرح الجمعية الملكية الأنثروبولوجية.
وأعد تقريرًا مفصلًا عن مغامرته واكتشافاته، نقلتها أمواج الأثير إلى جميع أطراف الأرض.
وباتت الأسلاك والمحطات الفضائية تتناقل الصور والتقارير عبر السماوات.
وفي الصباح طلعت الصحافة بعناوين ضخمة مثيرة تروي قصة الدكتور نادر وتحمل صورته، وتضاربت التعاليق ما بين مصدق ومكذب وساخر ومتهكم. وأعلنت"جمعية راصدي الأطباق الطائرة"عزمها على إرسال بعثة لاستكشاف حقيقة الرواية.
وطارات نفاثات الاستكشاف الأمريكية من قاعدة"روطا"بإسبانيا مستعملة أدق أجهزة تصويرها... ومن الجزائر لاحت طائرات الميج لتحرث سماء الصحراء لنفس السبب...
وبعد تحليل آلاف أميال الأشرطة، وتكبير صورها الغامضة، لم تبد علامة بحيرة على رأس جبل، كما وصف الدكتور نادر، ولا رأس عملاق مرمري بارز وسط الماء...
ووصفت الصحافة القصة بأنها أكبر كذبة فاتح إبريل في التاريخ..! ولم يعد الدكتور نادر يجرؤ على مقابلة أحد، وتفاداه أصدقاؤه العلماء حتى لا يتعرضوا للحرج إذا هم رفضوا تصديق روايته.
ولم يحتمل الدكتور نادر الضغط الهائل الذي وجد نفسه تحته، وخصوصًا وهو ما يزال يعاني من آلام عاطفية محرقة من جراء هجران تاج له دون وداع.
وأفاق ذات صباح ليجد نفسه في غرفة بمستشفى خاص يعاني من آثار انهيار عصبي عنيف.
نظر حواليه داخل الغرفة البيضاء، وقد غمرتها أشعة الشمس لندن الناعمة. وترمت إلى سمعها زقزقة عصافير بالحديقة الخضراء خلف نافذته الواسعة.
ولأول مرة أحس بالسلام يغمر قلبه، ويلامس روحه المعذبة...
وعاد بذاكرته إلى الوراء ليسترجع وجه تاج ونظرتها الشرقية البريئة، قبل أن تختطفه في عنان السماء، لتفتح له باب عالم مستحيل. وأخذ الشك يزحف إلى ذهنه، فبدأ يحاول إقناع نفسه بأن المغامرة كلها كات رحلة عقلية تحت تأثير مخدر جديد، أو ضربة شمس قاسية أخرجت عقله عن التفكير المنطقي...
واسترجع ما كان قرأه عن سراب الصحراء، وما يصوره للتائهين من مدائن ذات صوامع وقباب ذهبية وجبال وواحات باسقة النخيل جارية الأنهار، وشواطىء بلورية المياه صاخبة الأمواج... فأغمض عينيه في ابتسامة دافئة مهنئًا نفسه على سلامة عودته، وقد أحس أن الوقت حان ليضحك هو نفسه على مقلب أبريل الذي لعبه على العالم دون قصد..!