…واصلنا سيرنا المتعرج تبعًا لانعطافات الطريق. رائحة التربة المبللة بمطر الليلة الماضية تنبعث نقية نفاذة، وهدير البحر خافتًا يأتي من بعيد، وغيوم تباينت ألوانها ما بين بنفسجي رقيق، ورمادي داكن تتراكم عند الأفق الغربي. كنت أرقب السحب وهي تسبح من فوقنا، فأنشغل بها لحظات، عن الطريق والمدرسة. أتصورها أشكالًا خرافية عجيبة كتلك التي تتراءى لنا في الأحلام.
…تنبهت إلى جلبة وصياح، سرعان ما تبينت مصدرهما. كنا قد بلغنا الطريق العام، نوشك أن نقطعه إلى الطرف الآخر، حيث السوق ثم المدرسة. الناس يتحركون في ذعر. سيارات عسكرية تعبر الطريق مسرعة، ثم تنتشر في اتجاهات مختلفة. بعضها يتوقف، وبعض يتابع السير فيما الجنود يقفزون منها في كل اتجاه. انطلقوا يصيحون بالمارة وبمن هم في المقاهي مشرعين بنادقهم وحرابًا لامعة في مقدماتها تثير الرعب. توقف أبي عن السير. بدا عليه القلق. تمتم بصوت خفيض:
…- الانكليز.. يافتاح يا عليم.. نعود يا بني إلى البيت.. لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم..!
…وعلى حين غرة أخذوا يطلقون الرصاص في مختلف الأنحاء. اجتاحني الذعر. اقتربت من أبي ألوذ به.. سمعت عنهم في المدرسة، وفي كل مكان لكني لم أرهم رأى العين في مثل هذه الحال قبل ذلك.
…صرخت في فزع:
…- نعود يا أبي ..
…وفي ذات اللحظة رأيته يضع يده على صدره، تجحظ عيناه.. يرتجف.. الدماء تنبثق من صدره.. تفلت يدي من قبضته.. يترنح.. يتهاوى.. يسقط.. يعقد الذهول لساني.. يا إلهي.. هذه اللحظة كنت أسمع صوته.. ارتميت فوق صدره ..أضمه.. ألتصق به - أغمره بالدموع.. أصرخ بجنون:
….. يابا.. يابا ..
…وجرس المدرسة يدق وسط زخات الرصاص آتيًا من مكان سحيق.
…وقفت أمي قرب باب الدار مع من تجمع من الجارات إثر سماعهن أصوات الرصاص، وصياح الصبية الذين اندفعوا يتراكضون خلال الأزقة. أدركن للتو أنها عملية انكليزية أخرى. استوقفن واحدًا من الغلمان، فأنبأهن بأن الانكليز قد أطلقوا الرصاص على الناس في المقاهي والطرقات والسوق.. إنهم يطلقون الرصاص في كل مكان.. أخذن يتساءلن في توجس وقلق عن السبب الذي دعا هؤلاء إلى اقتراف جرائم جديدة في قريتهم في هذا اليوم، خمنت إحداهن قائلة:
…- ربما كان ذلك بسب نسف الثوار للخط الحديدي بالأمس على مقربة من القرية .
…عقبت أخرى بسخرية:
…- ومتى كان هؤلاء ينتظرون سببًا يبرر ارتكاب الجريمة التي يريدون يا حبيبتي ..
…تدخلت ثالثة: