…- إذا كان الأمر كذلك يا أم مريم فلسوف تأتي اليوم الانذارات بالعقوبات الجماعية التي ابتكروها.. سيفرضون علينا عقوبات فادحة هذه المرة غرامات وجزاءات أيضًا..
…قالت أم مريم باستنكار:
…- وهل بقي لدينا ما نقدمه يا فاطمة ؟
…- من قال لك، يا حبيبتي أن (إنسانيتهم) سوف تجعلهم يقدرون ظروفنا ..؟
…- ولكن أليس هذا هو الظلم بعينه؟ الفاعل واحد أو اثنان أو ثلاثة، فما معنى أن يؤاخذ الجميع..؟ هذا إن كان ما فعلوه جريمة حقًا ..!
…قالت (أم سعيد) وقد ظلت صامتة طوال الوقت:
…- تتحدثن عن الظلم والظالمين، يا نور عيني، ووجودهم هنا، هو منتهى الظلم. بأي حق هم هنا أصلًا ..؟
…سادت لحظات صمت. مضت كل واحدة منهن تضرب أخماسًا في أسداس، بينها وبين نفسها، إلى أن عبرَّت أم مريم عما كان يساورها من قلق:
…ترى من هي المسكينة التي حلت بها المصيبة في هذا النهار ؟
…ردت أم عدنان في صوت خافت تشوبه نغمة حزن طال بها العهد:
…- كما ترين. نربي أبناءنا الأيام والسنين.. نفني أعمارنا في تنشئتهم يومًا بيوم، ساعة بساعة.. نبني عليهم آمالنا العريضة.. نود لو نفديهم بأرواحنا إذا أصابهم مكروه.. ثم نفقدهم في طرفة عين.. يد غريبة تجيئ من أقصى الأرض، تضغط على الزناد، وينتهي كل ما بيننا..! أطرقت النسوة إجلالًا لأم عدنان التي سبق لها أن فقدت ولدها عدنان في ظرف مماثل منذ شهور قليلة ومابرحت تتشح بالسواد .
…- إنهم.. هكذا.. ببساطة متناهية يسلبوننا حق الحياة، ولا يحاسبهم أحد.
…- من أجل ذلك قامت الثورة يا عزيزتي. هي التي ستأخذ على عاتقها أمر حسابهم .
…قالت أم سعيد، لنفسها وهي تستمع إلى رفيقاتها، أنها سوف تطلب إلى (أبو سعيد) فور عودته، أن يقلل من خروجه منذ اليوم، ما دامت الاستهانة بأرواح الناس قد بلغت هذا الحد.
…لكن خوفًا غامضًا يسري في أعماقها. بل إنها تحس بذلك الشيء المبهم يلم بها منذ أيام، دون أن تعرف كنهه أو تجد له تفسيرًا. حتى أحلامها كانت في الأيام الأخيرة كوابيس مرعبة. وهي من ثم، تلعن الشيطان تارة، وتعوذ بالرحمن، تارة أخرى، مؤملة ألا يكون مبعث ذلك الانقباض سوى كآبة عارضة لن تلبث أن تزول، أو بسبب مرض خفي يلم بها لم تتبين ما هيته. آه ليت الأمر يكون كذلك..! أو هي تلك الأحداث التي تسود البلاد فتقبض النفس.