فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 1574

…تحاول التخلص من ذلك الشعور الممض بالجنوح إلى التفكير في المستقبل، وبما يمكنها أن تتخذ من أسباب الحيطة - في نطاق صلاحياتها المحدودة - بما يضمن سلامة أبنائها، وأبيهم .

…أصوات هادرة تترامى عن بعد. تقترب رويدًا.. تتعالى.. تتضح معالمها أكثر فأكثر، إلى أن تتحول إلى هدير مرعد. جمهور غفير تبدو طلائعه عند ناصية الشارع. يهرع الأطفال من البيوت المجاورة على جانبي الطريق، يرفدون الموكب بانضمامهم إليه، فيكبر، ثم يكبر، حتى يضيق بهم الزقاق. همت عائشة (أم سعيد) بأن تنادي أحدهم كي تسأله عن ذلك الشهيد المحمول على الأكف والأكتاف. غير أنها أمسكت حين رأت غلامًا يهرول نحوهن، وهو يصيح بأعلى صوته، وكأنه يعلن بشارة سوف ينال عليها مكافأة:

…- الانكليز.. قتلوا عم سليم.. أبو سعيد ..!

…شق الفضاء صراخها المروع فيما هي تندفع نحو الجموع، والنسوة اللائي ذهلن للحظة، أمسكن بها لمنعها من اقتحام الموكب، وهي في حالة تشبه فقدان الوعي. يخرج من بين الجمهور شقيقها (رمضان) متصديًا لها، محيطًا إياها بذراعيه، زاجرًا ومناشدًا:

…- قضاء الله الذي لا مفر منه.. إنه شهيد يا أختاه.. هنيئًا له.. كفى.. كفى بالله عليك.. أنت عاقلة ياعائشة.. إنه قدره.. !

…تصرخ في التياع:

…- المجرمون.. قتلك المجرمون.. ويلهم من الله.. أين ولدي.. أين أمين ؟

…هتف رمضان كي يُسمعها.. وربما ليسكتها:

…- أمين بخير.. أقسم لك أنه بخير..

…كنت في تلك اللحظة أهرع إليها.. أرتمي في حضنها.. يهزني النشيج هزًا، كأني ألتمس في حضنها عودة أبي للحياة.. شعرت كأني غبت عنها دهرًا.. وها أنذا أعود. طفقت تضمني إليها بعنف.. تقبلني بجنون، كأنها لا تصدق أني بين يديها. غمرت وجهي دموعها.. اختلطت دموعنا معًا، وهي تغمغم بكلمات تضيع بصوتها المبحوح بين البكاء وأصوات الجموع الغاضبة .

…تبين أن عدد قتلى ذلك الصباح خمسة، والجرحى ضعف هذا العدد. شيعوا جميعًا في جنازة واحدة، تحولت إلى مظاهرة تندد بالجناة، وتطالب بالاستقلال وسقوط بلفور..! حال بعضهم بيني وبين مشاهدة القبر ساعة الدفن. دعينا مع حشد من الناس إلى الغداء في بيارة أبو جبريل النجار، حيث ذبحت الخراف، وقدم طعام كثير للجميع. في (بواطي) ملأى بالأرز واللحم والرجال لا يكفون عن الحديث حول الحادث وحوادث أخرى كثيرة سبقته في قريتنا، كما في غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت