فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 1574

…في دارنا واصلت النساء إحضار الطعام، ومواد أخرى كالسكر والقهوة والأزر. ولا يزيد ذلك أمي إلا حزنًا وألمًا وبكاءً. طفقن يعزينها بكلام كثير. يضربن الأمثال، ويرددن الحكايا من حوادث الأيام الغابرة والراهنة .

…صبيحة اليوم التالي لتشييع جثمان أبي، وضعت لنا أمي على (الطبلية) فطورًا من البيض المسلوق والزيتون وخبز الطابون، وصحنًا من العسل. هذا الأخير كان مما جاءت به الجارات. لم يكن العسل طعامًا مألوفًا لدينا في وجباتنا المعتادة. دار الجمل يتناولونه، ودار ابو عون وغيرهم من اثرياء القرية، أما نحن..؟

…أُحسُّ بفراغٍ يحتلُّ مكان أبي، حيث كان يجلس بيننا، ونحن من حوله.. لكن ها هو ذا أمامي في مكانه المعتاد. صغيرتنا علياء تقبع في حجره. يضحك لها.. يضمها إليه.. يمسِّد شعرها.. يضع اللقمة في فمها بعد أن يغمسها بالعسل.. تسمَّرت يدي في مكانها قبل أن تبلغ الطبق. انفجرت بغتة باكيًا، بصوت ارتاعت له أمي الجالسة قريبًا منا مع جاراتها، فأقبلت مسرعة، تاركة النسوة اللواتي ملأن المكان صخبًا. تبعنها سراعًا. واحتضنتني أمي وبصوت مبحوح:"مالك يمَّة.."انفجرت علياء أيضًا تنشج بصوت عالٍ. بادرت خالتي الى حملها.. تلصقها بصدرها.. تهدهدها.. تقبلها وهي تردد بصوت يخنقه البكاء .

…".. مالك يا حبيبتي.. اسم الله عليكِ.. الله يجازي أولاد الحرام.. أبوكِ مسافر بكره ييجي ياحبيبتي ..."

…أبي يرمقنا بعينين حزينتين.. يمضي بعيدًا يتلاشى في الغمام المائل مابين عينيَّ والسماء..

…ران على المنزل سكون حزين. أقيم فيه الحداد. ارتدت أمي ملابس سوداء أضفت عليها مزيدًا من الجلال والمهابة. أنظر إليها فأكاد لا أعرفها لفرط تغيرها. فقد علا وجهها شحوب ينم عن حزن كظيم. ذبلت عيناها، وفارقتها ابتسامتها العذبة، وتوارث خصلات شعرها الفاحم التي كانت تزيد من نضارة محياها، تحت منديل أسود، قلما تزيحه عن رأسها .

…اعتكفت في بيتها لا تبرحه. وبدت منطوية على نفسها تبثها الحزن والشجن. زاهدة في لقاء الناس أو التحدث إلى أحد. لقد أمست أرملة، وهي لما تزل في ريعان صباها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت