فهرس الكتاب
كانت كلمات محمد بك يشوبها الأسى والحزن، ولم تستطع الابتسامة الصفراء التي ارتسمت على شفتيه أن تخفي معالم الفجيعة التي ستحل على لواء الزور، فالحرب الكونية شارفت على الانتهاء، وقد تكشّفت بعض نتائجها، والعرب قَدْ وقفوا ضدّ الأتراك، والجيش العربي على أُهبة الاستعداد، فاكتفى محمد بك أن هزّ رأسه مرارًا، ثم استأذن مع زميليه بالانصراف، فشيّعتْهم النظرات بعيون قلقة.
حاول المختار وزملاؤه الانصراف أيضًا، لكنّ المضيف أبى، فجاء العشاء، وجلسوا جميعًا يمضغون الطعام وبعض الكلام، حتى انتهوا، فخرجوا يسيرون بتؤدة، ويتحدّثون بصوت خفيض، وآخرون يرتّبون أحلامهم وأمانيهم في خزانة الوقت ولو إلى حين.
لم يكن نيسان /1916/ ربيعًا مزهرًا بدير الزور، كان كسابقه يحمل سيف القهر ومتراس الرهبة.. يقتحم حصون الأمل، ويلوي أعناق الترجّي.. يفتح حقائب الصمت، ويجرف كلّ أحاديث الأمان..
بيوتٌ دُمّرت، وعائلات شُرّدت، لوى الموج ساعد الصبر عندما جرف النهر عددًا من الأطفال والحيوانات.
تجمّع أكثر من خمسين رجلًا يرمّمون السدّ الكبير الذي انهار قسمٌ منه، ويدعمونه بالصخور السوداء، وصيحات النخوة والشهامة تدوّي، وصوت الكسّاري يعلو فوق كلّّ صوت:
هاتوا الصخر هاتوا اْسلاك
تا نقيّد النهر ونْقُلّه اْهلاك
دوسوا السدّة، زين.. زين
لا تخلّوها تعدّي غاد وهينْ
دوسوا السدة زين يا نشامى
دوسوها زين إخوة الريامى
أمّا النساء فقد تجمّعن عند امرأة عرفتها المدينة مثالًا للشهامة والكرم والنخوة والإيثار.. إنَّها الشيخة فاطمة بنت محمد بك التي أنفقت جلّ مالها من أجل أن تغرس البسمة على شفاه المنكوبين والمتعبين.. كانت تقيم الولائم للفقراء والمساكين، وتوزّع عليهم المال واللباس والمؤن، وكان والدها يشجّعها، ويأخذ بيدها.. قال لها مرّةً:
ـ يا شيخة فاطمة.. أتعرفين ماذا سنفعل إن ضاقت بنا الدنيا، ونفذ مالُنا؟!
وكانت تجيبه باسمةً:
ـ لا تخف يا أبي.. إنّ أحبّ الأسماء إلى الله هو (الكريم) ، وأحب الناس إليه هم (الكرماء المحسنون) .. لقد عفا الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - عن ابنة حاتم الطائي وقومها عندما وقعوا في الأسر إكرامًا لأبيها الذي اشتهر بالكرم.. لا تخف يا أبي، لا تخف.. فإن الله لن يضيّعنا.
كان محمد بك معجبًا بذكاء ابنته، وسرعة بديهتها، فابتسم وربّت على كتفها قائلًا:
ـ أكثري من العطاء يا أم بسام، فوالله لو توقفتِ عنه يومًا لأغضبتِ أباك.