فهرس الكتاب
بكت هاصميك ثانيةً، واحتضنت أمّها بقوّة وتمتمت ناشجةً:
ـ لقد رحل يا أمي.. أثقل عليه المرض، وجاء العجاج ليكتم أنفاسه.
ـ أين وليدك؟
ـ إنه عند جدّته في البيت.
ـ ماذا أسميته يا بنيّتي؟
ـ على اسم جدي: سورين
ـ بارك الله فيك، وحفظك الربّ.
ـ أمّاه.. ألا تبقين معي؟
ـ لا يا بنتي لن نستطيع. قالوا لنا سنذهب إلى حلب.
ـ سأرحل معك.
والتفتت إلى أحمد، ثمّ ركعت عند قدميه تستحلفه بالله وبرسله وبحبها له أن يسمح لها بالرحيل مع بقايا أهلها..
طار صواب أحمد، واستحلفها بالله وبمحمد والمسيح أن تبقى مع وليدها وأهله في بيته، لكنّها أبت، وأصرّت على الرحيل..
ـ وابننا يا هاصميك؟!
ـ إن أردتَ أن تأخذه فهو ابنك، وإن أعطيتنيه فسأشكرك من كلّّ قلبي.. أريد يا أحمد أن أحيا أو أموت مع أهلي.. اتركني أرجوك.
ـ وإن قلتُ لن ترحلي؟
ـ سأقتل نفسي والله أمامك.
ـ هاصميك؟
ـ أحمد.. أرجوك دعني.
وقبّلت يديه، وركعت عند قدميه باكيةً..
ـ انهضي حبيبتي..
لم يستطع أحمد أن يكسر قيود إصرارها، فكان ينظر إليها نظرة استجداء وترجٍّ، وكانت تهز رأسها رافضةً..
ـ إذن سيبقى الطفل عندي، وارحلي إن شئت.
سار ركب الأرمن، وقد زاد عددهم امرأة، لكنها ليست كأي امرأة.. أنها هاصميك. ولم يسمح حرّاس الرّكب لأي إنسانٍ أن يأخذ أحدًا منهم.. همست هاصميك في أذن أحمد كليماتٍ ناشجةً، ورحلت.
سار أحمد إلى حيث لا يدري، تعثّر في مشيته أكثر من مرّة، ولم تسعفْه عيناه الدامعتان من النظر جيّدًا إلى حيث يسير.. توقّف هنيهةً، وضرب جبهته بكفّه، وتمتم متألمًا:
ـ كان عليّ أن أمنعها من السفر، وأحجر عليها حتى يبتعد أهلها.
حاول أن يرجع إلى البيت ليمتطي صهوة جواده ويعود بها، لكنّ كبرياءه منعته، وتذكّر أنها قَدْ هدّدت بارتكاب حماقةٍ بحقّ نفسها، فهي عنيدة كما خبِرها.
سارت به قدماه إلى بستان يعرف صاحبه، وجلس في ظلّ شجرة توت هرمة، وشرع يفكّر..
إنّه يحبّ زوجته حبًّا ملك قلبه وعقله، وأراد أن يبقى الطفل الوليد لديه، لأنه سيراها من خلاله، ولأنه سيبقى الذكرى الوحيدة المتبقّية لديه منها..
تذكر عندما كانت هاصميك تنادي ابنها: سورين. كيف كان يسارع بالردّ عليها قائلًا: إنه سوري. ليته كان سورين، وتبقى أمه إلى جانبه.
وا أسفاه! لقد رحلت. وكان يدرك تمام الإدراك باستحالة عودتها.. تذكّر ما همست به قبل رحيلها.. لقد قالت له: (الولد أمانة عندك. أحسِن تربيته. وعوّض حناني له بحنان امرأة تليق بك) .