فهرس الكتاب
يا إلهي! ما أعظمها من امرأة! أخذ يضرب فخذيه بكفّيه، ويلطم وجهه بقوّة، ونشيجه يمزّق السكون، حتى غاب عن الوعي.
لم يفق أحمد من سباته إلاَّ عند أذان العصر، وصوت صاحب البستان يذكّره بصلاة العصر.
كان رأسه ثقيلًا مليئًا بالهواجس والظنون.. اسودّت الدنيا في عينيه. وعندما بدأ يمشي، أخذ يتمايل يمنةً ويسرة، ولا يكاد يرى شيئًا، فاصطدم بالشجر والحجر والبشر، حتى ظنّ بعضهم أن مسًّا من الجنون قَدْ أصابه.
عاد إلى البيت بخطىً ثقيلة، شاحب الوجه، أشعث الشَّعر، وكاد يتهاوى على عتبة الدار لولا سماعه صراخ الطفل، فانتفض، وهرول، وخطف الطفل من بين يدي أخته حميدة، وأخذ يشمّه، ويبكي معه..
قالت له أمّه بعد أن هدأ:
ـ إن الطفل يا ولدي لم يكفّ عن الصراخ منذ رحيل أمه.. حاولت النسوة إرضاعه فرفض المراضع، أعطيناه حليبًا بقريًّا فرفضه، دلقنا في فمه نقيع اليانسون فلم يتقبله.. أرجوك يا ولدي، بحق أمّه عليك أن تأخذه إليها.. إن الطفل يذوب ببطء.. لا أريده أن يموت بين يدي.. أسرع به يا أحمد، فمازال في الوقت متّسع، لعل الله يحنّن قلب أمه فترجع، أو تكتب له الحياة معها..
كان أحمد يسمع كلمات أمه، وهو دامع العينين، وصراخ الطفل يتعالى، فلم يدرِ ماذا سيفعل! وحده الطفل كان يعرف أن اقتلاع الجذر مستحيل، وأنّ الدم لا يمكن أن يكون ماءً، وأن عبير الأم وعبقها لا يعادلهما في الدنيا أيّ شيء، وأن الظلمات الثلاث التي مكث فيها تسعة أشهر تناديه وتحثّه على المجيء.. الأم وحدها منبع السكينة والحب والحنان والطمأنينة.. الأم التي جعل الله الجنّة تحت أقدامها.. أمه التي آثرت أمّها، وضحّت بزوجها وابنها من أجلها.. يا للوفاء! الطفل رضعه من لبان أمه.. الطفل أدركه، وأبى إلاّ أن يترجم صراخه إلى فعل.. فكان ما كان..
أخذ أحمد يشمّ الطفل كلّّ هنيهة، ويبكي مع بكائه، فتمتزج الدموع، وتتعانق الآهات والتنهّدات..
"إيهٍ يا طفلي الغالي.."
وحدك من ترجم الآه في مسارب الدموع
لن تظلّ يا ولدي كلمةً مبهمة في سِفر التاريخ ولا في مهب الريح.
ستنتظركَ دهورٌ بابتهاج وسرور..
وستكون رايةً لعشب يموج ولزهور تفوح
أراك الآن خارج أسوار مملكتي أميرًا وأنا الطريد
أمدّ إليك يدي بلهفة ولا أصل إليك
أي بني.. سترحل الآن لتداوي جناحك المكسور
وتترك أباك خلف كومة غيمٍ كطائر الرعد
ارحل بني.. استجمع ذاتك في رئتيك
وكن قادرًا على نسْلِ خيطٍ من عذوبة صوت أمّك وأرسله إليّ..""