فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 1574

ـ أسرع يا أحمد.. أرجوك.. اذهب إليها إن كنت حقًّا تحبّها.. أنقذ الطفل يا أحمد.

امتطى أحمد صهوة جواده الأصيل، وحمل طفله في حضنه، ولفّه بعباءته، وسار يخبّ، فوصل القافلة قبيل غروب الشمس بقليل.. قطع أكثر من ثلاثين كيلو مترًا دون أن يدري..

وكان الأرمن يجرّون أرجلهم وأجسادهم عيًّا وعجزًا، وكلّما تهالك واحدٌ منهم على الأرض حملوه، ورشّوا الماء على وجهه، ليتابع معهم مسيرة اللانهاية..

صاح أحمد بأعلى صوت:

ـ هاصميك.. هاصميك.

التفتت هاصميك بذهول إلى مصدر الصوت الذي اخترق قلبها بقوّة، فصاحت دون وعي:

ـ أحمد.. أحمد.

يا إلهي! ما الذي جاء به؟ هل أصاب الولد مكروه؟! ترجل أحمد، والطفل في حضنه يبكي بكاءً يمزق الأكباد..

وضع الطفل على الأرض عندما أقبلت إليه، واحتضنها بلهفة، وكأنه لم يرَها منذ سنين.

أخذت هاصميك طفلها بشوق وهو يبكي، وما إن ألقمته ثديّها حتى سكت وسكن إلاَّ من نشيجٍ غير مسموع يهزّه من آونةٍ لأخرى وهو يمتص لبن أمه، وعينا أحمد تغوصان في عيني زوجته باشتياق..

ربّاه.. إن أعطيتَ فلِمَ تأخذ؟ وإن أخذتَ فلا تحرم.

ربّاه.. ابني وأمه ضيفان عندك يا الله.. يا من لا تضيع ودائعه إنّي أودعهما عندك..

ربّاه أنت القادر على أن تجمعني معهما، لا تتركني وحيدًا، أجترّ القهر والحرمان، فأنت الكريم الجواد.. أكرمْني بهما، وارحمني وارحمهما.

أفاق أحمد من شروده على صوت طفله وهو يناغي أمه فتناغيه، حتى أخلد رأسه في حجرها، وتملّكه النعاس فغفا على صدرها متشبّثًا به.

ـ أصيل يا أحمد.. لن أنسى صنيعك هذا مدى العمر.

ـ أرجوك يا حبيبتي أن تعودي إلى بيتك، والله لن أهنأ بالعيش في غيابك.

ـ قلت لك يا أحمد تزوّج وانسَني، فلن أترك أهلي، أرجوك إن كنتَ تحبّني فارحل أنت وابنك قبل أن يستيقظ، وإن شئتَ اتركه لي، وأقسم لك بالله وبكل المقدّسات سيعود إليك إن أبقاه الله حيًا.

ـ خذيه يا هاصميك كما أخذت قلبي وروحي وعقلي.

بكت هاصميك طويلًا على كتف أحمد وعانقته بحرارةٍ عناقًا ممزوجًا بالدموع، وقالت له ناشجةً:

ـ أرجوك أن تتزوّج غيري، واعلم أن الله لن يخذلك، لأنّك طيبٌ وصادقٌ ووفي.

رحل أحمد بعد لأيٍ، وكان يتلفّت كلّّ آونةٍ إلى حيث زوجته وولده، ملوّحًا بيده، وكان يرى عن بعدٍ تلويحةً متعبةً تردّ عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت