فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 1574

لم يجرؤ أحدٌ ممن في المجلس أن يكلّم علي بك، وإن عرفوا سبب وجومه وكآبته.. كان يعتصر رأسه كلّّ هنيهة، وعيناه الصغيرتان تحملقان في أعمدة سقف المضافة، وما حوته من أعشاش لطيورٍ لم تجد الأمان إلاَّ فيها.

وحده المختار من بدّد جوّ الكآبة، وقطع حبل الصمت عندما اقترب منه قائلًا:

ـ لقد آلمنا جميعًا ما حدث، أنت تأمر ونحن ننفّذ.. رفع علي بك رأسه الصغير، وقال بألم:

ـ لقد نقلوا /سعاد بك/ تأديبًا إلى بغداد، واتّهموه بالتساهل وعدم إطاعة الأوامر، وجاءوا لنا بأقذر والٍ عرفته الولايات العربية على الإطلاق.. إنه /زكي بك الجركسي/.. مجرم خطير لا يحمل في قلبه إلاَّ الحقد والكراهية.. منذ يومين جاءت إلى الدير قافلتان من الأرمن، أمر بترحيل قافلةٍ إلى حلب، أما الثانية فأمر رجاله بأخذها إلى جبال (الولي) المحيطة بأحد أطراف المدينة، وقتلهم رميًا بالرصاص، وكان ينظر إليهم بمنظاره، ويتلذّذ بعملية الإبادة، حتى إذا ما تمت بإتقان تنفّس الصعداء، وجلس ينتظر قوافل أخرى.. فهل هذا الوضع مريح؟ وهل يمكننا المضيّ معه بسلام؟!

قام أبو ياسين منتفضًا، وسار عدة خطوات، حتى أصبح في مواجهة علي بك، وقال:

ـ أتحبّ أن أخلِّصكم من شروره وآثامه؟ أعطِني الأمر، وأقسم بالله أنه لن يرى الصباح.

ـ يا أبا ياسين.. إن قتلنا واحدًا فإنهم سيقتلون منّا ألفًا. اسألني أنا. لم تحِن الفرصة بعد لعملية الاغتيال. علينا أن ننتظر أيامًا، بل ربما شهورًا قليلة حتى نقرأ فاتحة الخلاص.. إنّي أخاف عليكم من الذئب المجروح يا إخوتي. كلّّ ما أطلبه منكم المزيد من الحيطة والحذر، والحفاظ على حياة الأرمن الموجودين في بيوتكم.

ـ ماذا تقول يا أبا راغب؟! إن الأرمن الموجودين في بيوتنا أصبحوا أهلنا، وأقسم لك بالله ثلاثًا، سأدّمر بيت الوالي بمن فيه، إن تعرّضت أم ياسين أو أمها لسوء.

أقسم المختار، وأبو صادق الميكانيكي، وأبو سلطان الجابي، وأبو طارق، وعدد كبير ممن حوتهم المضافة يمين الوفاء.

قال أبو عدنان متهكّمًا:

ـ ماذا فعل لنا ممثّلونا في مجلس المبعوثان يا أبا راغب؟!

ـ فعلوا كلّ الخير، تقدّموا بطلبٍ عاجلٍ إلى الباب العالي لنقْلِ والينا، وقالوا بصريح العبارة: إن الشعب ينوي قتلَه إن لم يُنقَل، وإن شاء الله سيتمّ هذا الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت