فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 1574

أعترف بأن الأوهام قذفتني من شاسع السهد طويلًا، لكنها لم تستطع أن تنتزع من الذاكرة صور الوجوه الناحلة التي حاصرها النفي والتشرد والظلم، وهي تسطّر ملاحم خالدة في التضحية والإيثار...

لم تستطع أن تطمس في سِفر التاريخ حقبةً كانت بدايتها مؤلمة، ونهايتها مفرحة...

كانت البدايات سَوقيات الأرمن إلى دير الزور، إلى حيث الدفء والحنان عام 1915، وكانت النهايات سَوق الفرنسيين إلى حيث الخزي والعار عام 1946، ولعلّي من خلال هذه الرواية ألامس جانبًا من الحقيقة التي لا تخفى، وأعبّر عن دقائق اللحظات الحرجة والألم الإنساني والصفاء الروحي والعزيمة المتوثبة التي كانت مشاعل نور تضيء عتمة الطريق ووحشة المكان، ورحم الله الأديب والروائي الكبير (عبد الرحمن منيف) حيث يقول في (الكاتب والمنفى) :

(إن الأجيال القادمة لابدَّ أن تقرأ التاريخ الذي نعيشه الآن وغدًا، ليس من كتب التاريخ المصقولة، وإنما من روايات هذا الجيل والأجيال القادمة) .

دير الزور 10/7/2004

محمد رشيد رويلي

تُرى هل أرى مركب جسمي معتادَ الغرق مرممًا؟

ترى هل أرى فَلك روحي المحزن عامرًا من جديد؟

ترى هل أرى تشتّتي بعيد المسافة موحدًا من جديد؟

ترى هل أرى قلبي المكتئب الحزين منشرحًا؟

ترى هل أرى خيمتي المهدودة أنا البائس منصوبة مرة أخرى؟

ترى هل أراني أنا الأسير الممقوت محرّرًا؟

ـ كتاب المراثي ـ من الحوار الخامس والعشرين ـ

ص189 ـ كريكور ناريكاستي ـ ترجمة نزار خليلي.

لم يكن الفرات هادئًا... إنه يشاطر الريح دويّه، كما يشاطر أبناء المدينة أحزانهم، كان صاخبًا هادرًا ساخطًا متوعدًا كل الذين رسموا السدود في طريقه، وعرقلوا شغبه بأوخم العواقب، فقذف موجات هائجة كنست كل النفايات، واقتحمت جدرًا تنزّ عفونةً وجرفت كل ما اختزنه المتشاطئون من مؤونة...

كان الشيوخ والعجائز يعرفون سطوته وقرابينه، فكانوا يصلّون، ويرفعون الأكفّ بالدعاء كلّما أهلّ عليهم شهر نيسان، وكان الفرات عنيدًا عاقًا لا يقيم وزنًا لصلوات، ولا يكترث بالأدعيات... يقتحم حصون الأمل بهمجية، ويفتح حقائب الصمت بعنجهية، ويهزّ جذع الريح بقوة، فيتساقط الدمع المعتّق أيامًا، وتُجلد الوجوه بسياط اللوعة والرهبة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت