وكان مما أسعف الكاتب حضور معجمه اللغوي الثرّ، وحسن انتقائه ما يناسب تصويره، فاللغة التعبيرية والتصويرية أدت وظيفتها في إنجاح العمل، وإدخال المتلقي به، وأخذ مصادقته عليه.
فكان لمعنى الحزن ألفاظه، ولمعنى الفرح ألفاظه، إن همس الحزن سمع القارئ أنّاته، وإن جلجل الفرح طار المتلقي معه، وكان للرفض صوته، إن قال لا رددت الأصداء صداه، وكان للحماسة حضورها، إن التهبت تأججت معها العواطف والمشاعر والأحاسيس، وإذا القارئ يعيش الماضي بكل ما فيه من حياة تتدفق أنفاسها مع أنفاسه، ويشارك بأحداثها في أعماقها واحدًا منها لا مراقبًا عن بعد لما جرى بها.
وهذا ما عنيته بالرواية التاريخية ومهمتها الرئيسة في نقل تفاصيلها الحيوية وقدرتها على إشراك الآخر في هدفها إشراكًا يصل حدّ تبني ذلك الهدف وجعله جزءًا أصيلًا من موقفه الفكري في دفاعه عن كل المظلومين، أو في تبنيه للعدالة والحق والخير في أوسع معانيها ومفاهيمها الإنسانية.
أستطيع أن أقول بملء فيّ أنني فخور بشعب أنتمي إليه، أكد لي فخري بأمتي وأصالة قيمها وعظمة تاريخها، وهذا فضل الكاتب علي، أما فضله عليك أخي القارئ الكريم، فهذا ما ستقوله أنت، ولربما قلت أكثر بكثير مما قلته.
كلمة لابدَّ منها
في عنفوان التشظي يقضم الأديب أعزَّ أحلامه، وأغلى أمانيه، يلمّ الفجر من ليل تناسل في الذاكرة، ليعيد طلاء الفصول، ويمسح الوجه الذاهل بحفنةٍ من صبرٍ جميل.
وأنا أكتب هذه الرواية التي أرّقتني، تراءت لي نوافذ الأحلام وهي تستجدي صلاة الريح، ودعاء الركّع السجود، والأرض محفورة بحوافر أحصنة القهر، تلتف عروقها حول أكوام من الصدأ وأكداس من العفونة...
تراءت لي همهمات الفرح تتسلل بفضول مثل قطط الأزقة ووجوه المحسنين، فكنت أتماهى في دروب الليل الطويل، أساهر نسيم الوديان والتلال العابقة بالذكريات، وأستعيد حوار العنادل بين أغصان الغَرَب والطرفاء، فأحمحم كفرس جندلت فارسها في لحظة المجابهة...
وأنا أكتب هذه الرواية تراءت لي دموع اليتامى، وشهقات الأيامى، وندب الثكالى، والألم يعتصر القلب حتَّى حدود السقم، وتراءى لي من احتضن كومة تراب بكر، يشمها بكبرياء ويقبّلها بإباء، ثمَّ يذروها برفق على أجساد من رحلوا، لتنبت أزاهير الخلاص...