إن كتابة التاريخ في توثيقه وتثبيت أحداثه، والحكم لها أو عليها، هو عمل مختصيه ورواته ونقاده حين يسجلون حوادثه الكبرى ونتائجها، وهمهم أن يذكّروا الإنسانية بما جرى عملًا بقوانينها الكبرى، أما الرواية التاريخية فإنها تضيف على ذلك تفاصيل المعاناة في دقائقها إذ يجسّد الروائي أحداثه من خلال! إشراك الآخر في هذه المعاناة، وإظهار تعاطفه مما يجعل منها عملًا حيًا لا تغيب أحداثه في بطون الكتب التاريخية، أو ليحضر أثرها في مجموعة المختصين أو المهتمين بشؤون التاريخ وحركته، وإنصافهم أو تجاهلهم أو ظلمهم لشعب ومشروعية قضيته، أو نسيان أو استذكار ما حلّ به في مرحلة تاريخية مظلمة عملت الأحداث الأخرى على نسيانها، أو إلقاء الغطاء عليها، ويأتي نجاح الرواية من نجاح كاتبها وقدرته في رسم الحدث وجزئياته وشخوصه الرئيسة والثانوية، وتطور هذا الحدث بمؤثراته وصولًا إلى تشابكها في ذروتها، ثم انفراجها وحلّها، ورؤيته نحو المستقبل في استخلاصه الفكري للنتائج الباعثة للمستقبل، أو الدافعة لحركة التاريخ نحو الأمام بغية تغيير الواقع، أو كسر الرتابة المستطيلة تحت قيود الظلم السياسي والقهر الاجتماعي وسلب حرية وإرادة الأخر.
ومهما كان الحدث عظيمًا والهدف نبيلًا، فإنه رهن بقدرة الكاتب على تصويره وحسن تناوله، وهذا ما يُسجّل للكاتب محمد رشيد الرويلي، فهو لم يتألق بتصويره وحسن تناوله فحسب، وإنما أيضًا في قدرته على بث الحياة في جميع مناحيها الكبرى والصغرى في عمل متكامل يتحرك فيه الجزء نحو الكل، وينفتح فيه الكل نحو الجزء ليكمل أبعاد الصورة في ألوانها المواكبة لحقيقة وجودها من دون افتعال أو خلط أو مبالغة أو إهمال، وهذه الدقة أضفت على العمل شكلًا من أشكال التشويق الأخاذ بفعل أسلوب الكاتب صاحب التجربة الناشئة عن ممارسته الطويلة لصناعة الأدب، مما أتاح له إمكانية تقدير المواقف بعين الناقد الذي لا يطغى عنده موقف على آخر، أو يُضخّم ما لا يستحق، أو يقلّل من شأن ما يجب إبرازه وإعطاؤه أهميته، ورغم عمق هذه التجربة، فإن الكاتب الأديب لم يتدخل في صنع الأحداث، ولم يركب ألسنة شخوصه، أو يتربع داخل عقولهم، أو يتبطن عالمهم الداخل، وتلك معضلة كبرى عزَّ في عالم الرواية حلُّها، ومركب صعب كثيرًا ما يجنح بربانه أو يتيه به حين يتدخل الكاتب بثقافته وعلمه ليقول ما لا يقوله شخوصه.