فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 1574

لا أستطيع أبدًا يا أبا ياسين .. لو اكتشف الأتراك نواياهم أو أمسكوا بواحد منهم وهو يمارس تلك الرغبة، لحلّت بهم كارثة، وليس من حقنا أبدًا أن نعرّضهم لانتقام الأتراك. عندما يرحل الجيش التركي عن أرضنا، سيكون لنا رأي آخر، وسنلبّي رغباتهم. والآن هيّا..

اتّجه علي بك نحو الساقية الكبيرة التي تحاذي الفرع الصغير للنهر، وفي ظل شجرة توت هرمة توقف، فوقف الجميع ...

تأمل الشجر والنهر وشمس الغروب وهي تخلع رداءها الأرجواني بخجل لتدخل خيمة الليل، ثم قال:

ـ اسمعوا يا إخوتي، قَدْ يكون الليل طويلًا، وعلينا أن نكون ضياءه حتى لو كانت الأضواء خافتة ...

علينا يا إخوتي ألا نستعجل انبلاج الفجر، فالصباح سيتنفّس لا محالة، ولا أريد منكم أكثر ممّا هو معدٌ لكم، لا أريد أن أثقل كواهلكم بأحمال قَدْ تقصم ظهور بعض منكم. يجب أن نلعب اللعبة بمهارة وتخفٍ ويقظة وحذر ... أعداؤنا ليسوا هيّنين، ولا متغافلين. البارحة كان الوالي يقول لي كلامًا مبطنًا .. هل تصّدقون أنه يعرف كلّّ ّ شيءٍ عنا ؟! ردد على مسامعي بعض ما قلته لكم مرةً في المضافة عندما اختلفتم في مسألة الوقوف إلى جانب الحلفاء أو المحور.. هناك من يسترق السمع إلىأحاديثنا، فكونوا يقظين، ولولا التوجيهات إليهم باسترضائنا لفعلوا بنا الأعاجيب. أنا لست خائفًا على نفسي والله بقدر ما أنا خائف عليكم .. على أبناء بلدي.. على وطني.

قال أبو ياسين:

ـ أفهم من كلامك يا أبا راغب أننا سنوقف تحركاتنا في الريف والمدينة ؟

ـ لا. لا يا أبا ياسين، إنما قصدت مضاعفة الحيطة والحذر.

ـ لا تخف علينا أيها القائد العظيم والأب الرحيم. أشعل المختار لفافة تبغ ونفث دخانها وسعاله بآن واحد، ثمّ هدأ، ونظّف أنفه وفمه بمنديلة القطني، وقال:

ـ لن تتوقّف الثورة، وسندعم لجاننا في الريف والمدينة، وإن احتجنا، فأرى أن نطلق الوافدين من غير الأرمن للقيام بواجباتهم.

ـ صاح علي بك محتدًا:

ـ يا مختار .. كلّّ الوافدين من أرمن وأكراد وشركس و جاجان ومسيحيين باختلاف طوائفهم ومذاهبهم، وحتى اليهود، هم أمانة في أعناقنا، والواجب ألا نستغل ضعفهم وقلّة عددهم من أجل مآربنا.

ـ لكن الوطن للجميع، وهو بحاجة إلى جهودهم وعطائهم.

ـ صحيح ما تقوله، ولكن ليس الآن. افهمني يا مختار. أرجوك.

تنحنح أبو صادق الميكانيكي، واقترب من علي بك مبتسمًا، فابتسم علي بك وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت