فهرس الكتاب
ـ إن في عينيك حكايةً يا أبا صادق؟ يا أبا راغب إن ورشتي والحمد لله غنيّة بمواردها ورجالها، وكما قلت سابقًا الفضل لله أولًا ثم للأرمن ثانيًا .. أريد أن أذيع على مسامعكم سرًا أقوله لأول مرّة ..
اقترب الرجال، وتحلّقوا حول أبي صادق، وأصاخوا السمع له. قال علي بك:
ـ أرجو أن تفصح مع الإيجاز، لأن الليل أدركنا..
ـ أجل .. اسمعوا: لقد صمم آرتين وأغوب وديكران سلاحًا لا يطلق النار، إنّما يقطّع الأوصال، وقد أجروا اختبارًا على حمار أجرب نبذه أصحابه، وكانت النتيجة إيجابية، وقد استطاعوا حتى الآن تصنيع أكثر من عشرين قطعة.
ضحك علي بك طويلًا، وقال:
ـ يا أبا صادق إنَّها ( الدّوسة) وهي معروفة، ولا تصلح إلاّ للحيوانات.
ـ أعرف ذلك، ولكنهم طوّروها بحيث أصبح لها مخالب وأذرع كالأخطبوط، وعندما تراها ستعجب بها، وتثني على مخترعيها، فلها طريقة تختفي بها ولا أحد يراها.
ـ أخشى يا أبا صادق أن يقع في شرِاكها الأصدقاء .
ـ لا تخف، نحن نعرف أين سنضعها، ولا نحتاج إلاّ إلى أمر منك.
ـ بارك الله فيك، سيكون لك ذلك عندما تحين الساعة، أما الآن هيا بنا إلى المضافة لنشرب القهوة المرّة، ونتحدث عن آخر الأخبار.
لم يهدأ أبو ياسين طيلة الشهرين الأخيرين من عام 1917.. فقد كان هو وزوجته وأمها يصنعون الذخائر والمتفجرات، ويهيّئون الأسلحة، وقد استطاع بمقدرة فائقة أن يوصل كلّّ ما طلب منه إلى أحياء المدينة والريف القريب، ثم امتدّ نشاطه حتى وصل إلى البوكمال، وكان يتخفّى على هيئة بائع جوّال أعرج، يسوق حميره من مكان إلى آخر، دون أن يلفت النظر إليه ...
استطاع الثوار من خلال ذخائره وأسلحته أن ينفّذوا عمليات بطولية رائعة أقضت مضاجع الأتراك، وكان تحسين بك مدير المال يرسل الجباة على صهوات جيادهم المثقلة بالمؤن لتوزيعها علىأسر المناضلين وسراة القوم، وفي الوقت نفسه لحماية أبي ياسين إن تعرض لسوء ...
أما علي بك فكان يشرف بنفسه على كلّّ عمليات الثوار، وقد عيّن المجلس الثوري أحمد الصّباغ مسؤولًا مساعدًا في غرفة العمليات، واضطلع أبو صادق الميكانيكي بنصب الفخاخ بأماكن تم تحديدها بدقة، وكان أبو سلطان رجل استطلاع ناجحًا، وأبو طارق يجمع التبرعات من أجل تمويل العمليات الثورية، أما المختار فكان يبثّ الإشاعات في كلّّ مكان حول هزيمة الأتراك في المناطق والنواحي والقرى، وكان لإشاعاته المحكمة أثر كبير في بثّ الهلع بنفوس الحامية التركية ..