فهرس الكتاب
كان الجميع يدًا واحدة، جعلوا الأتراك يستغيثون، ويبدون مسالمةً مكشوفة، وعندما جاءت قافلة من الأرمن لم يرحل منها أحد إلى حلب أو بيروت، فقد تمّ استيعابها في المدينة وحدها أمام أعين الأتراك دون أن ينبسوا ببنت شفة، حتى أصبحت تعجّ بالأرمن، وكان التجار والإقطاعيون يؤازرون الأهالي باحتضانهم، والزواج من فتياتهم، فأخذوا أسماء العائلات الديرية.
قال علي بك بعد أن تنفس الصعداء: تصوروا أن طفلين بقيا من كلّ القافلة / طفل وطفلة / مات أبواهما في الطريق، أخذهما عبد الجاويش وأخوه علي، وسجّلاهما في عائلتيهما، جزاهما الله كل خير ..
قال أبو ياسين:
ـ الحمد لله الذي كللّ مساعينا بالنجاح.
كان الجميع فرحين إلا أحمد الصبّاغ الذي لم تفارق الكآبة ومسحة الحزن وجهه .. كان يرى في وجه كلّّ فتاة أرمنية صورة امرأته، وفي كلّّ طفل صورة ولده، وكان علي بك يدرك سرّ حزنه وكآبته، فيبدّدها بسرعة عندما يذكر له بأن الفرج قريب ،وأن اليأس تملّك الوالي وجنوده.
قال أبو سلطان دَهِشًا:
ـ لم أكن أصدّق ان الأتراك كانوا يلوذون بالفرار هربًا من كلّّ ظلّ يتراءى لهم.
قال علي بك:
أصدر الوالي أمرًا بإطلاق سراح السجناء، وسيخرجون في صبيحة الغد، وعليكم أن تستقبلوهم بالحفاوة والتكريم. دعوا نساءكم يزغردن ويوزعن الحلوى أمام السجن الكبير، ولا تخشوا أحدًا.
قال المختار بعد أن لف عباءته حول جسده وكوّر جسمه بداخلها:
ـ هل السبب قوة ضربات الثوار، أم تقهقر القوات التركية في كلّّ مكانٍ وطئته أقدام الجيش العربي ؟
ـ هما سببان من أسباب كثيرة، ربّما رغبتهم في حقن الدماء، وكسب ودّ الجماهير، وقد يكون السبب تعيين / حلمي بك / واليًا جديدًا على لواء الزور، وهذا الوالي ـ كما بدا لي ـ عاقل حكيم.
قال أبو ياسين:
ـ إن كان عاقلًا حكيمًا فليسارع بالرحيل عن أرضنا، وإلاّ فسوف نجعله مجنونًا والله.
ابتسم علي بك قائلًا:
ـ أقرأتم ما كتب المناضلون في جريدة الجول هذا اليوم ؟ اقرأ يا مختار بعض عناوينها.
أخرج المختار نسخة من الجريدة، وأخذ يقرأ بصوت عالٍ مقالة علي بك، ومقالةً للشيخ محمد سعيد، وأخرى لتحسين بك، وقصيدة للشاعر الفراتي ...
ـ قال أبو سلطان:
ـ عجبي من الأتراك ! وقد قرؤوها بالتركية، لماذا لم يتّخذوا أي إجراء مضاد ؟
ضحك علي بك، واقترب من أبي سلطان قائلًا:
ـ لقد اتّخذوا إجراءً مؤقتًا، وهو إغلاق الجريدة، لا أعلم الإجراءات الأخرى متى ستتم.