…بدا المنزل مضيئًا مشرقًا، وجميلًا أيضًا كما لم نره من قبل. حتى الحاكورة زرعت ونسقت، والكهف (الكفري) طلي من خارجه بالجير.. آه لو ينشق هذا الكهف عن ذلك الكنز المرصود بداخله..!
…أمهات الفتيات اللواتي رشحتهن أمي سابقًا ممتعضات. الحاجة أم سايحة وابنتها الحاجة خضرة تتحينان الفرصة، لعل أمي توافق، هذه المرة، على بيع الحاكورة، لاسيما وأنها سوف تحتاج الآن إلى المال. خالتي نعمة تسأل أمي عما إذا كان لدى أنسبائها هؤلاء ابنة تناسب ولدها فوزي، ما داموا على الصورة التي تصفها. جدي وخالي رمضان أبديا عدم الرضى لأسباب أسهبا في شرحها، لكن أمي لم تأخذ برأيهما، بل دفعها ذلك إلى مزيد من التشبث بما عزمت عليه. وقفت إلى جانبها زوجة جدي (ستّي رقية) .
…في هذه الأثناء حظي كل من نعيم أبو جلالة ومحمد النجار بوظيفة (معلم وكيل) في مدرسة القرية، براتب شهري جيد قدره خمسة جنيهات.
…أيام قليلة انقضت قبل أن نقوم بزيارة أخرى إلى يافا، رافقنا فيها أخي سعيد والحاج مصطفى أبو عون، وخالتي نعمة وزوجها، وخالي رمضان. توجهنا إلى منزل العم أبو محمد الذي قادنا، من ثم والخالة أم محمد إلى دار العم أبو ابراهيم. بعد مفاوضات عسيرة حول المهر والشروط الأخرى التي ينبغي توفرها، تمت الخطوبة وقرئت الفاتحة. مائة جنيه مقدم المهر، ومثلها مؤخر الصداق.. غرفة نوم وكنبات.. وو.. فلم أكن من ناحيتي أعير انتباهًا، في تلك الأثناء، لمداولاتهم. كنت أفكر في فتحية وحدها. كأني غير مصدق أن هذا يحدث حقًا، وأن الأمور تسير بهذا اليسر، على الرغم من تشدد ذويها في حكاية المهر والشروط. وقد أجمعت الأطراف المعنية على أن العروسين ما برحا أصغر من سنّ الزواج.
…وحين سألت أمي، إثر عودتنا إلى القرية:
-كيف لنا أن نتدبر نفقات العرس الذي سوف يكلف الكثير.. ؟
ردت في ثقة:
-الله يدبرنا يا ابني ..
ثم أردفت بعد لحظة صمت:
-مع أن اليافاوية مطالبهم كثيرة. أثاث جديد، وثياب، كسوة، وزينة..
-إذن ماذا نصنع ؟
…رمقتني بتلك النظرة التي أعرفها جيدًا، تتدفق حنانًا وتنمُّ عن أسى من عينيها العسليتين الذابلتين، ومسحة الحزن لاتفارق محياها. لكنها مالبثت أن انفرجت أساريرها وهي تقول باسمة:
-ألا تعرف أني وفرت لك مبغًا من أجور عملك يكفينا لنفقات العرس إن شاء الله..؟ وكلِّها لله يا ولدي .. ومن توكل على الله كفاه .