فهرس الكتاب

الصفحة 619 من 1574

ولكني عدت أسألها، من قبيل الفضول رغم الاحساس بالارتياح الذي اعتراني:

-وهل عملت أنا بما يكفي لهذا كله ؟

أومأت برأسها أن نعم .

-ولكن لماذا لم نعمد إلى تزويج أخي سعيد الأكبر مني؟

أجابت:

-هذه نقودك أنت الذي تعبت في جنيها .

قطع علينا حديثنا دخول أم مريم والحاجة خضرة إلى دارنا فانصرفت أبحث عن الرفاق لأزف لهم البشرى .

…في منزل العم ابو ابراهيم أقيم الاحتفال الذي قيل انه سوف يكون بسيطًا، قاصرًا على الأهل والأقارب. ولكن ماحدث لم يكن كذلك. فقد غصَّ المنزل بالنساء اللواتي شرعن، منذ عصر ذلك النهار، يتدفقن تباعًا، اسرابًا أسرابًا. رافلات بالحلى والثياب، ذات الألوان البهيجة التي تخطف البصر كلما انحسرت الملاءة السوداء بفعل الهواء العاصف من ذلك اليوم الخريفي. كما بدت نضارة الوجوه في أبهى زينة، وذؤابات الشعر هفهافة تحت المناديل الشفيفة التي يرفعنها إلى أعلى الجبين، فور دخولهن فناء الدار. أصوات الغناء وإيقاعات الطبل والدفوف ترقص على نغماتها واحدة أو أكثر، تتناهى إلى مسامعنا (نحن الرجال) حيث احتوتنا غرفة الضيوف الفسيحة. إحداهن تقلد أسمهان:

……(يا للي هواك شاغل بالي

……في غرامك أنا ياما قاسيت ..

……ضحيت لك حبي الغالي

……وفي حبك يوم ماتهنيت ..)

…وأخرى تصدح بأغنية ليلى مراد:

…… (ياما أرق النسيم.. لما يهب عليل..)

…وثالثة تردد بصوت أعلى من سابقتيها يعلو ويشتد معه إيقاع الطبل والدفوف:

……(يام العبايا.. حلوه عباتك ..

……جمالك آيه.. زينة صفاتك..)

…أمي هناك معهن. لاشك أنها مأخوذة الآن بكل ماترى وتسمع. لسوف تبهرها زينة (اليافاويات) وبهرجتهن. بل إن ذلك سوف يخيفها أيضًا. جرأتهن هذه التي لاتعرفها مثيرة حقًا. لابد أنها ترهب الموقف، على الرغم من سعادتها. ولاريب أن الخالتين ظريفة ورشيدة تحيطانها بالرعاية، ولا تقصران أيضًا بمرافقات والدتي: خالتي نعمة وبناتها فاطمة وفوزية وندى، وخالتي بديعة، وعدد من بنات جيراننا. هنَّ لابد حانقات، كدأب نساء يبنا كلما تزوج أحد أبنائها من يافاوية أو شامية أو مصرية..! أعرف هذا مذ كنت أرافق أمي إلى المصاطب أمام الدور في الأمسيات الغابرة .

…يقطع عليَّ شرودي وتصوراتي أصوات من حولي، أقارب العم أبو ابراهيم والعم أبو محمد، ومن رافقنا من يبنا، حيث انهمك هؤلاء في أحاديث شتى لم أتابعها معظم الوقت، إلى أن قال أحدهم:

-هل رأيتم عروض النجًّادة في (البصَّة) اليوم؟

ردَّ آخر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت