….. الفاتحة يا إخوان.. وعلى بركة الله ..
…بسط الرجال أكفَّهم يقرؤون الفاتحة بصوت خفيض، وإن بدت همهماتهم كدوي خلية نحل. مسحوا براحات أكفهم على وجوههم:
….. آمين.. اللهم آمين
….. مبروك.. مبروك للجميع..
…وإذ هممنا بالانصراف عقب صلاة المغرب، دعا للجميع الحاج مصطفى أبو عون بتمام الأفراح على خير، ضارعًا إلى المولى عز وجل بأن يديم علينا (هدوء الأحوال وراحة البال بعد دحر اليهود ونيل الاستقلال) .. !
…أيام قليلة انقضت قبل أن نقيم عرسنا في يبنا. تجمعَّ الرجال في دارنا، والنساء في دار الحاجة (أم سايحة) ، التي تطوعت من تلقاء نفسها بإعداده لهذه المناسبة. معلنة أن هذا ماينبغي أن تفعله لمن كان لها الفضل في إخراجه إلى هذه الدنيا. وهي اليوم -كما تقول - أسعد خلق الله، إذ تراه فتى يافعًا وعريسًا أيضًا.. (ياصلاة النبي.. وعين الحسود فيها عود.. ومن خلَّف ما مات يا اختي ياعايشة رحمة الله عليك يا أبو سعيد ..!) .
…رفاقي يملأون الدار حركة وصخبًا. يقومون على خدمة المهنئين والمشاركين. يقدمون الشاي والقهوة، وينثرون السكاكر على الحصر والبسط الممدودة. سعيد كان بادي الفرح، كذلك كان ابن الخالة فوزي، والخال شعبان .
…إحدى غرف الدار تكتظ بأكياس السكر والأرز والقهوة. أما الحاكورة وحول الكهف (الكفري) فقد تجمع هناك عدد من الخراف تملأ المكان ثغاء وروثًا وحركة..!.
…تكاثر الرجال والغلمان الذين تقاطروا من شتى أرجاء القرية. قام جمع منهم عقب العشاء، فعقدوا حلقات الدبكة والسامر، على إيقاع الطبل والأرغول. تم الميجنا والدلعونا، وظريف الطول.. والعتابا ...
…وحين انطلق صوت شاب يردد أغنية لأم كلثوم:
…غني لي شوي شوي...
…غني لي وخد عيني ..
…انطلق الجميع يرددون وراءه، يصفقون ويرقصون وقد أخذ منهم الحماس والطرب مأخذه .
…يمور المكان بحياة زاخرة. تغشى فناء الدار سحب الدخان، تتصاعد من المواقد، والسجائر، يختلط معها عطر القرفة وشذى الزنجبيل، تنشره قدور الشاي الكبيرة والأقداح، التي يطوف بها عليهم غلمان وشبان من الأقارب والرفاق. الزغاريد وأصوات النساء يتضاحكن أو يغنين تتناهى إلينا من الدار المجاورة ... وآه ... ياحبيبتي ... فتحية ... أين أنت الآن.. حبذا لو كنت بيننا ترين وتسمعين ..