فهرس الكتاب
ـ نعم، بعد ثلاثة أيام ستدخل، ومعها صك تبعية دير الزور إلى الإنتداب البريطاني بصفتها تابعة للعراق، وعلمت أن الميجر / كارفر / سيتولى زمام الأمور عندنا.
صاح أحمد الصباغ:
ـ والله لن نجعل كارفر ينام إلاّ على فراش من قتاد.
خطا علي بك عدة خطوات، واقترب من أبي ياسين, وقال:
ـ يا أبا ياسين، ستتولى تعبئة المقاومة الشعبية في الأحياء، وسيكون الشيخ سعيد هو المرجع الأول والأخير لك .. وأنت ياأحمد ستتولى عملية التحريض في القرى القريبة، وأنت يا أبا عدنان ستذهب إلى الميادين، وتتصل بأعضاء الخلية هناك وتنسّق معهم، وتكون صلة الوصل بيننا وبينهم، وأنت يا أبا صادق ستذهب إلى البوكمال للغرض نفسه، وأنت يا أبا أحمد أريدك أن تتولّى مهمة الاستطلاع، وأنت يا أبا طارق أريدك للإمداد والتعيينات، وليعنا الله.
قال أبو سلطان عندما صمت علي بك:
ـ وأنا يا علي بك ؟!
تأمّله علي بك طويلًا، ثم قال له:
ـ كيف أصبحت صحّة سلطان ؟إن شاء الله بخير؟
ـ الوطن أغلى من سلطان وأخواته، علي بك.
ـ صدقتَ يا أخي .. لكنني أريدك أن تبقى إلى جانب ابنك الوحيد حتى يبلّ من مرضه.
ـ لن أرضى والله أن أكون في البيت، وإخوتي يبذلون دماءهم رخيصة من أجل الوطن .. أرجوك يا علي بك أن تكلّفني بمهمة، أفضل من أن أختار طريقًا آخر.
ـ لا يا أبا سلطان، لن ندعك تهيم على وجهك، وطالما هي رغبتك فلتبق معي في العمليات، وقد أرسلك إلى جهة ما إن اقتضت الحاجة. هل أنت راضٍ الآن ؟
ـ نعم .. وألف شكر لك.
كان الغليان الشعبي على أشدّة. استطاع أحمد تحريض السكان ـ مدينة وريفًاـ على الثورة، وكان شاعر الفرات يلهب المشاعر والأحاسيس بقصائده التي كتبها بخط يده مئات النسخ، حتى أصبح كلّّ قارئ يرددها أو يكتبها ويوزّعها، ومنها:
انهض وروِّ العوالي من عداك دمًا
واستنهض السيف والقرطاسَ والقلما
شُلت يميني، وبانت إثرها عُنُقي
إن كنتُ يومًا بغير السيف مُعتصِما
يروم منّا استلام الدّير عن عَرَضٍ
أهلًا بمن للمواضي جاء مستلما
وثارت دير الزور، وامتدّ لهيبها إلى البوعمْر وخشام والخابور والميادين والقورية والمصلخة والبوكمال .. ثورات متلاحقة أقضّت مضاجع الإنكليز، وكانت الخلايا الثورية تعمل ليل نهار وقوافل الشهداء متتالية، وبطولاتهم نادرة، ارتجف لهولها الإنكليز طويلًا.
قال علي بك بعد أن حمد الله وشكره:
ـ ليتحدّث أوّلًا أبو ياسين.