فهرس الكتاب
-أنتم يا من تنشغل أفكارهم بالمسائل الصعب التجريدية، تبدو أدمغتكم صعبة في بث الأفكار.. والأوامر إليها.. آه يا بني.. لن أنسى ما حييت ذلك الرجل الأصلع حليق الوجه، المتقدم في السن بنظارته السميكة الذي يخفي خلفها عينين نفاذتين تتغلغل زرقتهما في أعماقك، فتشعر أنك صغير أمامه.. كان يمشي في السوق هنا في مثل هذا الوقت من السنة، قبل عامين ومعه امرأة أطول منه قليلًا يستند إليها أحيانًا.. تحرشت به كالعادة، وقلت له أنه رجل محظوظ، وأنه يرتفّع فوق سلم الشهرة، وسيصل إلى مراتب عالمية عالية.. توقف حينها ونظر لي.. ثم قال.. (لست سائحًا عاديًا يا سيدي حتى تجذبني بعباراتك) فأجبته على الفور (بل أنت رجل علم، تحضر مؤتمرًا علميًا هذا وظيفتك تدر عليك دخلًا ممتازًا، وأنت كثير التنقل، والأسفار في العام الماضي كنت تعيش بين أناس قدّموا لك الكثير ولكنك مولع في البحث عن الأسرار.. ورغم اختصاصك العالي في الرياضيات، فأنت مشدود للبحث في تاريخ العلم.. وقد قضيت سنوات في مدينة سورية عريقة، تنبش في المخطوطات والكتب القديمة أنت رجل أصيل تسعى للوصول إلى الحقيقة وتعلنها دون تردد حتى وإن انزعج منها الآخرون. ) ) .. نظر الرجل لي بعمق بعد أن خلع نظارته الطبية (أنت رجل ذكي بارع في لعبة قراءة الأفكار) وأخرج من جيبه مائة روبيه.. ولكنني رفضت المال وقد شدتني شخصيته وشعرت بالرغبة في محاورته…. لم أستطع كتمان سؤالي الملهوف عندها: -وحاورته؟
-كانت تساوره الرغبة نفسها، همس لزوجته البدينة قليلًا يستشيرها فهزت رأسها موافقة.. رافقتهما إلى منزلي، وكان حديثًا طويلًا ممتعًا أكد لي البروفسور (أرنولد) وهو اسم الرجل، إنّ ما قلته كان صحيحًا وأنه قضى في حلب، وهو اسم المدينة السورية العريقة، عدة أشهر يبحث في أسرار المخطوطات العربية والكتب القديمة، وهو رجل يتقن اللغة العربية جيدًا وقد أعلن عدة اكتشافات لصالح العلماء العرب رغم احتجاج بعض الأوربيين المتعصبين.. ..
شدّني حديث أوم بركاش سنغ فسألته: -وحكى لك عن السنوات التي أنفقتها في البحوث والمؤتمرات والندوات الدولية؟
قال: نعم.. كان كل ما قلته صحيحًا، أعترف بصحته.. ولكنه قال لي بعد ذلك (ربما استطعت أيها الرجل المسن أن تقرأ أفكاري لأنني كنت طيّعًا معك.. ولكن حاول الآن)
-وحاولت معه؟