فهرس الكتاب

الصفحة 705 من 1574

وقد اعتكفت في كهف الباغوز (1) عشر سنوات، ثم هبطت من الكهف عارية، شعرها الأسود الفاحم قد نبتت عليه زهور جميلة، ونهداها ينسكب منهما الحليب، فيسيل أمامها نهرًا من أنهار الجنة، ترك الأطفال صدور أمهاتهم وصاروا يلعقون الحليب من تحت قدميها، وفجأة، انتشرت الزهور التي كانت تغطي رأسها على الأرض، وصار حليبها يرفد الفرات بدفق غريب، فابيض ماء النهر، كان المشهد يشبه الحلم، زهيّة تسير فيرفع الفرات موجة ويسلم عليها، تهزّ رأسها فتنحني النخلات الشامخات كأنهن سكارى أصاب الناس الذعر، لأنهم ماعرفوا زهيّة إلا متعبدة، وكانوا يسمونها رابعة، فمنذ ولادتها نذرت نفسها لله، فلم يستطع أحد رؤية شعرة من شعرها، ولم يسمعوها تضحك وكانت ابتسامتها تضفي عليها مسحة من القداسة.

كانت تتلو آيات من القرآن فقط، وتسبح بمسبحتها الطويلة داعية الله أن يرحم البشر الخطائين الذين انصرفوا عن طاعته، وصاروا ذئابًا ينهش بعضهم لحم بعض.

تساءل الجميع هل من المعقول أن تتحول زهيّة إلى ساحرة؟ وقرر الطيبون أخذها ليراها السنسي ويدفع البلاء عنها، والسنسي هو جد الآلويسي، كانت زهيّة تتكلم، تحدق في الوجوه، حاول السنسي أن يلمسها فخرت مغشيًا عليها، فأمر بإخراجها لأن ملك الجان قد سخطها وذوب في روحها منقوع الخرس، فأبكمها.

أخذها ملاّ علي إلى بيته. لتعتني بها زوجته الملاية فضيلة، وما أن أدخلاها إلى أحدى الغرف، وتركاها، حتى انطفأ القنديل الذي يضيء الغرفة، وسمعت أصوات التكبير تملأ البيت بأكمله، ويقولون إن الشيخ كان في بغداد يومها، لكن صوته سمع في طرقات البوكمال ينادي: انهضي يازهيّة، لأن إبليس يريد إغواء روحك الطاهرة أثناء مرضك، فتمتثلين لأمره، وتصيرين عاصية كافرة.

وحين دخل ملا علي ليرى ما حل بزهيّة، لم يجدها، وإنما شاهد عصفورًا صغيرًا يطير في الغرفة، تخرج من حنجرته كلمات من القرآن، وحين حاول ملا علي إمساكه، مات العصفور وتحول إلى رماد، ومن يومها لم ير أحد ملاّ علي، وقالوا بأن أفعى ابتلعته وهو يتوضأ. وأما زوجته الملاية فضيلة فقد أصيبت بالعمى ولم تعد تخرج من بيتها إلى أن ماتت.

ومن اليوم الذي سمع الناس فيه صوته يتردد في الطرقات ولم يكن هو موجودًا، صاروا يسمونه الشيخ أخو زهيّة.

هامش الفصل الأول

1ـ كهف الباغوز: كهف يقع في قرية الباغوز، القريبة من البوكمال ـ يسميه السكان المحليون"الجهفة"

الفصل الثاني

الحركة الأولى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت