أما عمره فلا عمر له، الجميع، كبارًا وصغارًا، يعرفونه على هذه الصورة، لم يتغير إطلاقًا، وهو يغيب عن البلد كثيرًا ويأتي بعدها يحكي الحكايات المذهلة عن أسفاره، أكد الكثيرون أنهم شاهدوه يتنقل في باريس، وروما، وبراغ، وقال أحد الشباب ان الشيخ أعطاه نقودًا في براغ لأنه كان مفلسًا حين كان يدرس الهندسة هناك.
وذهب بعضهم إلى أبعد من هذا حين زعموا بأن الشيخ شوهد مرة يصافح المهاتما غاندي، وقد صام معه عشرة أيام. وسار معه في طريقه إلى الملح.
لم يكن الشيخ يأكل غير التمر واللبن. وحينما يسأله الناس عن هذا يقول: مافائدة أطايب الطعام لجسد فان؟ وعندما يقال له: إن لبدنك عليك حقًا، يقول ببرود: بدني سليم أقوى من أبدانكم، وأستطيع اجتياز الصحارى الشاسعة سيرًا على قدمي، الله أعطاني عظامًا من حديد وزودني بصبر ثلاثين جملًا.
اعتاد الناس رؤيته يلبس كلابية بنية اللون، ويضع على رأسه كوفية بيضاء، منقطة بالأخضر، على كتفه زوادة لم يعرف أحد ماتحوي، بيده اليمنى قرآن، وأما يده اليسرى فتشغلها عصا طويلة. قال بأنها مباركة لأنه جلبها من شجرة في بيت المقدس.
ألفته الأزقة الضيقة في كل المدن، واعتادته الحارات المظلمة، كانت عصاه المباركة تدق الأرض أثناء تجواله ليلًا بين البيوت، محدثة الرهبة من قدومه، ومن عاداته المعروفة أنه يصعد أسطحة المنازل مطاردًا القطط في ليالي شهر شباط كي يقطع نسلها، لأن القطط، كما يقول بنات إبليس، وإذا ماتت توقف إبليس عن وسوسته في القلوب الضعيفة. وقد تسبب ظهور الشيخ المفاجئ في بعض البيوت في إجهاض إمرأتين، وإصابة الحاجة مريم بالجلطة القلبية ووفاتها فيما بعد.
لم يره أحد يخاطب النساء، وإن خاطبنه، وكان يردد: من خلقهن ربهن من ضلع أعوج، يقدن المرء وإن كان صالحًا، إلى الاعوجاج. كانت غرفته الصغيرة معزولة في طرف بعيد من المدينة، قرب بساتين البرغوث، تفوح منها روائح البخور، ولاتدخلها الكهرباء لأنها رجس من عمل الشيطان وعلينا اجتنابها، تنير الغرفة شموع وتكثر في جنباتها الآنية الفخارية، ولم يكن لها نافذة، مما أضفى على جوها المختنق المبخر شكلًا من أشكال الحكايا الأسطورية.
الحركة الثانية:
مما يروى عن زهيّة أخت الشيخ أنها كانت جميلة جدًا، وأن الرجال كانوا يخافون النظر إلى عينيها، لأن السحر المنبعث من تينك العينين كان يجعل القلوب تتهاوى صريعة حبها الذي لاينال.