دخلت الحاجة صبرية غرفة نورية، فوجدتها نائمة يعلو وجهها إرهاق ليال من المخاض والألم، والطفل مستلقيًا إلى جانبها. بسملت الحاجة صبرية وحملت الطفل ثم قرأت قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
ثم التفتت إلى ابنتها العانس، وقالت:
ـ ألم يكبّر له جده في أذنه؟
كانت الابنة العانس تمسح العرق الذي كان يتصبب من وجه نورية. قالت لأمها:
ـ راح ليصلي، وحين يرجع سيكبر في أذنه.
شعرت الحاجة صبرية بالانقباض، لكنها هزت رأسها:
ـ إيه، الله يكون معك ياحجي عمر، ماتترك الصلاة أبدًا...
كان الحاج عمر العاني خيّرًا ودودًا. من أثرياء المدينة وهو الصديق المقرب لأخو زهيّة، فقد اعتادا منذ فترة طويلة أن يقضيا الليل في قراءة القرآن، والحديث عما يحمله أخو زهيّة من أخبار أسفاره ورحلاته، ثم يعودان كل ليلة مع آذان الفجر إلى الجامع، فيصليان، وينصرف كل منهما في حال سبيله كأنه لايعرف الآخر.
حين بدأت أشعة الشمس تدخل من نوافذ الغرف عاد الحاج عمر ومعه أخو زهيّة إلى البيت فطلب الحاج عمر من ابنته العانس احضار الطفل إلى غرفته.
حين وضعته في حضن أبيها، فتح الطفل عينيه وابتسم لجده، فأمر الحاج عمر ابنته بالانصراف، خرجت الابنة العانس وأغلقت الباب. رفعه إلى الأعلى وصلى على النبي وآله، ثم أسلمه لأخو زهيّة الذي كان واقفًا، فتناوله ودار به في الغرفة ثم وضعه على الأرض ودار حوله دورتين، وارتفع صوته يؤذن: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، فبدا على وجه الطفل الهدوء.
جلس أخو زهيّة على الأرض بجانبه، وكبر في أذنيه، ثم أخرج من جيبه حجابًا وعلقه على صدره، ونهض، قال:
ـ ياحجي، سيرتاح في نومه، ولكن عليك أن تسميه حالًا.
أسماه جده زاعمًا على اسم جده الاكبر زاعم العاني رحمه الله.
الحركة الثانية:
عاد عاصم العاني ليلًا، ترافق سيره أصوات نباح الكلاب الحارسة، وعواء الذئاب من البرية القريبة، استعان بالله وصار يدندن ليطرد قلقًا توغل في صدره.
لم يعد البيت قريبًا كما كان دائمًا، حثّ عاصم خطاه وتعثر، لسعة برد تخز عظامه، وأحماله على ظهره تثقل كاهله، طارده ظله وصار يسابقه، حتى دخلت يده في جيب بنطاله، لتخرج المفتاح.
فتح الباب، فأنعشت نفسه رائحةُ شجرة النارنج، واستقبلته باحة الدار المضاءة بضوء القمر، كان الجميع نيامًا.