قطع باحة الدار بهدوء، متجنبًا إيقاظ نيام يحلمون، ربما بعودته إليهم، بعد سنة من الغياب دخل إلى غرفته. كانت نورية مستلقية على ظهرها، فخذاها البضّان يبينان من تحت اللحاف، لم يحاول إيقاظها، لأن عينيها كانتا تنمان عن حلم جميل.
لم يكن يظن بأنه سيتزوج مثل باقي الناس، وخصوصًا، حين قرأ المنفلوطي وهيكل، وأسرَتهُ طريقة الحب تلك، فلامست رومنسيته المخبأة. حزم أمره وقرر أن يقع في الحبّ، وأن يعيش قصة تحكى، يضحي لأجل حبه بالغالي والنفيس، لكنه فشل.
وحين ازداد إلحاح أهله ليتزوج، وافق على طلبهم، فخيروه بين أختين من بنات يحيى الصافي صياد السمك، وصديق الحاج عمر
قالت أمه:
ـ ياولدي نورية جميلة مثل القمر، وآمنة صغيرة وبيضاء.
قال لها:
ـ ياأمي، أنا لم أرها، فكيف أتزوجها؟
نهره أبوه، وقال له:
ـ تراها؟ استغفر الله، خلص، تتزوج نورية، والله يوفقك.
بإمكانه أن يتلمس مامضى، هذه الفتاة التي لم تتغير، ظلت جميلة محافظة على صباها وأنوثتها، رغم غيابه المتكرر عنها.
اندس إلى جانبها وقبل جبينها، تململت، وانقلبت على جانبها الأيمن، كان وجهها الأبيض هادئًا نقيًا.
مدّ عاصم ذراعه ليضعها تحت رأسها، لكن نورية استيقظت فزعة وقالت:
ياساتر يا الله، أشكون هذا؟
نهض عاصم بسرعة وأضاء المصباح، وهو يقول:
ـ لاتخافي، أنا عاصم.
اندفعت نورية نحوه، وعانقته، ثم أشارت بيدها إلى الجهة الثانية من الغرفة، كان الطفل نائمًا بهدوء في عبّارته، وقالت:
ـ عندما سافرت كنت حبلى، ومنذ عشرة أيام أنجبت زاعمًا، بقيت أحمله في بطني سنة كاملة.
لم يصدق عاصم عينيه، قفز من بين يديها، وحمل الطفل الذي استيقظ، وارتفع صوت بكائه، قبله، ونزلت دمعة من عيني عاصم، وهو يحاول إسكات ابنه:
ـ انظري الولد، كم يشبهني.
ـ نعم، كلهم قالوا بأنه يشبهك.
جلس عاصم على طرف السرير ووضع ابنه على ركبتيه، صار الطفل يبتسم، وكانت نورية تقف قبالة زوجها، فرحة، متلعثمة، لاتدري ماتقول.
هامش الفصل الثاني:
1ـ أشكون: مفردة فراتية تعني ماهذا أو ماذا
2ـ العبّارة: سرير الطفل المصنوع من الخشب والذي تهزه الأم لينام الطفل.
الفصل الثالث
الحركة الأولى: