استيقظ الجميع فزعين، كانت الصرخة قوية جدًا أفقدتهم لذة نومهم، ركضت الابنة العانس إلى غرفة أبيها، كانت الحاجة صبرية قاعدة علىالأرض تولول بجانب زوجها الهامد لايتحرك. عيناه معلقتان على الجدار المقابل، ويداه مسبلتان. نتفت الابنة العانس شعرها، وشقت ثوبها. قفز عاصم من حضن زوجته إلى حضن أمه وصار ينتحب، رغم ظلام غريب. تماسكت الحاجة صبرية ومسحت شعر ولدها المنتحب بكفها، ثم قالت:
ـ أبوك مات، ولن يعيده البكاء، وجاء دورك لكي تحل محله، أبوك أوصى أن تعتني بالولد، وحين يكبر قليلًا، تأخذه ليتعلم عند أخو زهيّة.
بعد موت الحاج عمر، تغيرت حال الطفل، فازداد بكاؤه، وصار يرفض الرضاعة من صدر أمه، فأحضروا له مرضعة سكنت معهم. وكانت عمته العانس المتشحة بالسواد على أبيها تشعل كل يوم شمعة محتفلة بمرور يوم جديد من عمر ابن أخيها، وظلت الحاجة صبرية تقرأ له من القرآن كل ليلة أما أبوه وأمه فقد شغلا ببعضهما، فازداد اقتراب أحدهما من الآخر، وكثرت خلواتهما.
كان الطفل يكبر، ويأخذ ملامح رقيقة منسابة، تملأ ضحكته المكان وتثير حركته المرح. وحين بلغ الثالثة، عاد ليرضع من صدر أمه، فأصاب الحاجة صبرية الذهول، ولم يدر أحد كيف يمكن أن يظل الحليب يجري في صدر نورية كل هذه المدة.
قاد عاصم ابنه وسارا في شوارع المدينة، كانت تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها زاعم شوارع البوكمال، وأسواقها.
اتسخ ذيل كلابيته بالطين، وعبث الرجال الكبار ذوو الشوارب بشعر رأسه، حملوه، رفعوه إلى الأعلى، وقبلوه، كان زاعم مأخوذًا بالمكان، بالأشياء، برائحة اللحم والخضراوات.
الماكَف يضج بالبشر، تتلاحق كلابياتهم بألوانها المختلفة، وترتفع أصوات الباعة، التي رغم ارتفاعها، لم تفقد الطفل انجذابه لسقوف التوتياء التي تغطي محلات القصابين.
سارا حتى وصلا إلى سوق البرغوث، الشاويات بثيابهن المزركشة، المقصبة، يملأن السوق حركة وضجيجًا، قالت إحداهن وهي ترفع كيسًا ثقيلًا لتضعه على رأسها:
ـ كل شيء صار غالي، الله يصبرنا.
كانت عيناه تراقبان ثقوب سقف البرغوث المقبي، أشعة شمس شتاء تتغلغل باعثة ضوءًا، ينير وجوهًا مثقلة بتعب نهار عمل طويل.
سحبه أبوه من ذراعه، وانخرطا في الزحام، كان أبوه يجره متجنبًا الاصطدام بالعابرين. اخترقا جموع الشوايا وأطلاّ على الفيحة.
شمس تتوسط سماءها، تبهر عيني الطفل فيتحاشى أشعتها بكفيه الصغيرتين، قال عاصم وهو يتحسس كف ولده: