أرادت نورية أن يكون لها ولد آخر، تعتني به، وتربيه كما تريد، لأن ابنها لايستجيب لها، ولايسمع كلامها. وحين أخبرت الحاجة صبرية بما تفكر به، ثارت وجن جنونها، وقالت لنورية:
ـ لاشكّ أنت تفكرين بالقضاء على وحيدك، ألم تسمعي أخو زهيّة يقول بأن زاعمًا يجب أن يكون وحيدًا وبلا أخوة كي تستمر حياته.
دعت نورية على الشيخ بالعمى والطاعون. فنهرتها الحاجة صبرية كي تسكت.
حسم الأمر، وانتهى موضوع التفكير بانجاب ولد جديد وظلت نورية تفكر بهذا في سرها، حتى رأت في منامها أخو زهيّة يقودها إلى جحيم، نيرانه يشعلها طفل يحرق بها وجه أخيه، وكان المحروق زاعمًا فاستيقظت نورية ترتجف، وأيقظت زوجها، ثم قصت عليه الحلم، وما كاد الصبح يأتي، حتى ذهب عاصم وأخبر أخو زهيّة بحلم زوجته وطلب منه تفسيره، أجابه الشيخ بعبارات لامعنى لها، وقال له:
ـ الطفل زينة، والنساء زينة، فأين أنت بين الزينتين، ربك علمني، وأنا علمتك، فاسمع ماتؤمر به.
وسكت الشيخ لحظة خالها عاصم سنوات، كانت خلالها نجوم تتساقط محرقة البساتين، جاعلة الناس يتراكضون هلعًا، يقفز بعضهم إلى النهر، فتذوب أجسادهم ويتحولون إلى ضفادع وأسماك ويطير آخرين معانقين حجارة سوداء فتلتصق أجسادهم بسقف السماء الأسود، وتسقط عيونهم غربانًا.
عاد الشيخ من سكوته، مسح لحيته وقال لعاصم:
ـ أخبرتني طيور ولدك بأنك مخير بين زوجتك وبين ابنك، فاختر ولاتكن مترددًا.
سمع عاصم كلمات أخو زهيّة، فقفز من مكانه وتوجه إلى بيته، وفور رؤيته وجه زوجته جن جنونه، وأنهال عليها ضربًا حتى سقطت على الأرض وكانت حاملًا فأجهضت، حملتها العمة العانس إلى غرفتها و وضعتها على سريرها حيث رقدت شهورًا، ولم يعد زاعم يضحك أو يلعب، وحتى أنه انقطع عن زيارة شيخه.
أحضروا أخو زهيّة ليرى نورية ويشفيها، لكنه خرج من الغرفة يقول:
ـ دعوها، إن الملائكة تحيط بسريرها، ولن يصيبها مكروه.
انقلبت أحوال عاصم، وانصرف عن عمله إلى زوجته يلازم فراشها ويسهر على رعايتها، وظل صوت بكاء زاعم يتردد في أرجاء البيت، لم تكن نورية تتألم، ولم يبد عليها بأنها مريضة، كانت تفتح عينيها، كل يوم مرة، فترى المشهد نفسه: وحيدها يبكي إلى جانبها وزوجها يدخن و هو يذرع الغرفة جيئة وذهابًا.