فهرس الكتاب

الصفحة 714 من 1574

لم يطعمها أحد شيئًا، وقد أخبرهم أخو زهيّة أن ملاكًا يجيء كل يوم، فيطعمها أطايب الطعام، ويسقيها الماء المبارك، صبيحة أحد الأيام الحارة في آب، كان عاصم يغفو إلى جانب زوجته التي نهضت من سريرها دون أن يشعر بها، ولم تكن الحاجة صبرية والعمة العانس قد استيقظتا بعد. فتحت نورية باب الغرفة، وسارت باتجاه غرفة صغيرها ، وكانت تحمل بيدها سنبلة قمح وحبة تمر، دخلت غرفة زاعم الذي لم يبلغ السابعة، فرأته يتلو سورة الكهف. انتظرت حتى فرغ من التلاوة دون أن تحرك ساكنًا، وحين رآها زاعم قفز من مكانه إلى صدرها وتناول ثديها وصار يرضع بنهم، كانت يداه تتمسكان بخصلات شعرها، وعيناه الدائريتان تجوبان وجهها الأبيض الجميل أنهى زاعم رضاعته، وجلس على الأرض ينظر إلى عيني أمه السوداوين البراقتين.

انحنت نورية وناولته سنبلة القمح وحبة التمر، وقبلته، ثم انصرفت دون أن تتكلم أية كلمة.

فتح زاعم شباك الغرفة ورمى ما أعطته إيّاه أمه لعصفور كان يحط قرب الشباك، التقط العصفور سنبلة القمح وحبة التمر وطار بعيدًا.

بعد قليل عاد العصفور حاملًا لزاعم قطعة من الخبز وشيئًا من الدبس أكلها زاعم ومسح فمه ثم قال:

ـ الحمد لله الذي أطعمني...

أصابته قشعريرة، وصار يتخبط، تتناوله رياح تقذفه إلى رياح فلا يستقر على مكان، حتى ساد هدوء، فاختبأ تحت سريره، وغفا:

أحلامه خيول تقطع أودية وجبالًا، وسفن ضخمة تجتاز محيطات جبارة.

الحركة الثانية:

حين أستيقظ زاعم من اغفاءته كانت عربات تجرها أحصنة مجنحة تجوب فضاء غرفته، في العربات أشخاص وجوههم وردية يحملون سيوفًا مضمخة بدم أحمر قانئ. قفز من إحدى العربات شخص عيناه حجريتان، ويداه فولاذ، انقض على زاعم وصار يطارده. فتح زاعم باب الغرفة، كانت شمس آب اللهاب جاثمة على عرشها، تمدّ أشعتها الحارقة. انطلق زاعم تتقاذفه أسئلة غريبة، تجتاز رأسه طارحة نفسها عليه: من أنت أيها الطفل؟ لماذا تدق بوابات المعرفة، بيديك الصغيرتين؟

كانت غرفة الشيخ حين دخلها: مليئة بالفراشات الملونة تعطرها رائحة أزهار زكية.

جلس زاعم في زاويته المعتادة، وارتفع صوت ثغائه:

ياشيخي... هربت الفراشات وانبعث دخان أسود، حجب رؤيته، وصارت جدران الغرفة تهتز تحت وطأة ثقل شديد يضغطها من كل جوانبها. فجأة ، برز الشيخ من الدخان ملوحًا بعصاه المباركة، واحتضن زاعمًا محاولًا أن يبعث في نفسه الهدوء والطمأنينة، قال زاعم وكانت كلماته متشنجة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت