فهرس الكتاب
رمى بجسده القوي إلى الماء واحتضن موجة صغيرة، جرفه التيار، فصار يسبح دون أن يحرك يديه أو قدميه.
مرت به المراكب العابرة، وطلب منه ملاحوها أن يركب فلم يركب، ومرّ بالصيادين على الضفاف مجتمعين، فلم يتوقف ليسألهم. ثمة دافع مايدفعه للمواصلة، لم يكن يستطيع التوقف، لأن الوصول إلى مدينته هو حلمه الأكبر الذي رمى بنفسه إلى لجة لايعرف نهايتها، أراد أن يصل ليرتاح.
ظل يسبح عشرين يومًا لم يشعر خلالها بالتعب أو النعاس وأخيرًا قذفت به موجة سريعة على ضفة هادئة قرب نخلة صار يهزّها بكلتا يديه، فيتساقط على رأسه رطب شهي، أكل منه حتى شبع، ثم غفا يحلم بالوصول.
نهض ولم يكن يعلم كم نام، دفعته قدماه فسار في طرقات مدينة صغيرة، شوارعها طينية، وبيوتها متلاصقة، أقبل عليه أهلها وسلموا عليه، ثم أخبروه بأنهم يعرفونه لكنه لم يفهم ماقالوا، وظل حائرًا حتى احتضنه الحاج زهدي بن أبي كمال العاني وخاطبه بالتركية، قال له:
ـ أنت الآن في البوكمال، وقد أخبرنا أخو زهيّة بأنك ستجيء، انك ياولدي تشبه أباك راحلًا رحمه الله.
أخذه الحاج زهدي معه إلى بيته، فتوافد الناس يسلمون عليه، وقد بدأ أخو زهيّة يعلمه العربية. ولم يمض شهران حتى اتقنها تمامًا فاشترى قارب صيد، وعمل صيادًا للسمك ثم أدخل صناعة العربات التي تعملها من الأرمن إلى المدينة.
في موسم الحج غادر الحاج زهدي وزاحم إلى مكة، فتاجرا وحجّا ثم عادا إلى البوكمال، حيث تزوج زاحم من راجحة ابنة الحاج زهدي، وكان أخو زهيّة يصاحب زاحمًا أينما ذهب.
في أحد الأيام سافر زاحم وأخو زهيّة مع أربعين وليا إلى دمشق لزيارة مقام الشيخ ابن عربي، وحينما عادوا اتجه الحاج زاحم إلى التصوف، فانقطع عن الناس تمامًا، ولم يخرج من بيته إلا
حين مات، وهو لم يبلغ الأربعين.
كانت راجحة زوجة زاحم حاملًا حين مات، وبعد شهر من وفاته أنجبت ولدًا، فأطلق عليه جده الحاج زهدي اسم عمر، وحين كبر عمر قليلًا عهد به إلى أخو زهيّة ليعلمه.ترعرع عمر في كنف جده، ترعاه عيون ساهرة، وتحيط به معرفة يقدمها له الشيخ، وبعد بلوغه العاشرة اتجه لتعلم الصيد وصار يتردد على مجالس الصيادين حتى اعتبروه واحدًا منهم.